الثلاثاء، 10 أبريل 2012

الحريات.... والحرية عند القرضاوي



لم يكن بودي أن أعود لهذا الموضوع بعد أن كثر فيه الأخذ والرد إلى حد التطاول على الأشخاص قبل التأمل فيما يقال. وكنت أظن أن ما ذكر هنا وهناك من الآراء المعتدلة في كشف جزء من هذه البلبلة الفكرية كاف في حسم الخلاف,  غير أني عند ما رأيت الأمر يتخذ مسارا آخر غير الذي كان الهدف شعرت بحتمية التعليق ولعله الأخير إن شاء الله حول الموضوع, وسيكون ذلك من زاويتين:
الزاوية الأولى: حول مصطلح الحرية
فالحرية -إذا تعرت عن الهوى- تعد قيمة من القيم الانسانية التي لا يستقيم حياة العبد إلا بها, يذكر العالم المقاصدي الطاهر بن عاشور رحمه الله أن هناك أربعة مفاهيم أساسية تكون المحور الذي تدور عليه عقائد الإسلام وتعاليمه وتشريعاته, وهي: الفطرة   والسماحة   والحرية   والحق.
والسؤال الوارد هو عن أية حرية نتحدث؟ وهنا يأتي أهمية توجيه النصوص والأقوال وتفسيرها وفق الميزان الأصولي الذي يراعي العناصر الخمسة: النص (القول), الزمان, المكان, الشخص, الحدث.
 فالكثير يتحدث عن الحرية, ولكنها تختلف من شخص لآخر ومن بيئة لأخرى, فعندما يتكلم الرئيس الفرنسي-مثلا- عن الحريات إنما يريد التحرر عن القيود الدينية وخاصة الإسلامية مع التزام مبادئ الجمهورية الفرنسية, وعندما يتحدث المعارض الصيني دَلاَيلاَما عن الحرية, فإنما يتحدث عن التفلت من قمع الحكومة الصينية واستلابه على أراضي التيبيت. وعندما يتحدث الطفل عن الحرية ويترنح بها فإنما يشتكي من تسلط أبويه, وهكذا تتلون الحرية وتتقمص حسب الأشخاص والأزمنة والأماكن والبيئات. وهكذا أصبحت آلة تستعمل في حالات كثيرة كمفتاح للشر وفي قليل من الأحيان كمفتاح للخير, ولذا عندما تأمل أحدهم قيمة الحرية تأوه قائلا: (يا لها من جرائم ترتكب باسمك أيتها الحرية)
 (O liberté; que de crimes on commet en ton nom)
غير أن الحديث هنا ليس منصبا حول مفهوم الحرية بقدر ما يعني التنبه للبعد الفلسفي لهذا المصطلح
والسؤال الوارد هو ما مغزى كلام القرضاوي؟
يقول القرضاوي مؤكدا غير متسائل: (أفضّل وأوثر تحقيق الحرية على مجرد تطبيق الشريعة, لأني أرى أن تحقيق الحرية شرطا لتطبيق الشريعة, شرط أساسي) اھ كلامه وهنا نأتي للنقطة الثانية.
الزاوية الثانية: ماذا تعني الحرية عند الشيخ وغيره من الإسلاميين, وما مغزى هذا الكلام؟
الحرية في مفهوم القوم تعني أمرين:(تحرير العبد- تمكين العبد)
أ‌-                    تحرير العبد وتخليصه من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد,كلمات قالها الصحابي الجليل وهو يعيش أجواء من الحرية الخلاقة بعد أن كان المجتمع العربي يعيش جاهلية عمياء تسلبه أخص خصائصه الفطرية, ثم تحرر بنور الإسلام, ولكنه عاش في المرحلة الأولى حالة من الذعر والهلع حال دون التحرر الفكري, حيث كان المسلم مستضعفا في مكة يخشى على نفسه ودينه ولا يجرؤ على الإفصاح بكلمة الحق فضلا عن تطبيق شريعة الحق, إلى أن كان التمكين. وما أدراك ما التمكين
ب‌-               التمكين: فالمسلم قد يكون ممكَّنا وقد لا يكون ممكَّنا, والفرق بينهما كالفرق بين الأعمى والبصير, وبين الظل والحرور, وبين الأحياء والأموات.
 ويظهر هذا الفرق جليا في السيرة النبوية بين المرحلة المكية –إيمان بلا تمكين-, و المرحلة المدنية –إيمان مع تمكين-. والكثير منا سمع وربما رأى ما حدث ويحدث لكثير من الدعاة والمصلحين بل وللمجتمعات المسلمة من التضييق والتنكيل والتكبيل وطمس الهويات الإسلامية وقمع الحريات الدينية مما يستحيل معه تطبيق شريعة الرحمن, لأن الحكام –والحالة هذه- أشبه بالطواغيت, والأمم المسلمة المستضعفة أشبه بالعبيد, ومن هنا يأتي ضرورة التحرر من هذه الويلات للتمكن من تطبيق شريعة الرحمن.
وفي هذه الصورة بالذات تصبح الحرية شرطا ( حسب عبارة الشيخ, وبالمفهوم الأصولي) أساسيا لتطبيق الشريعة, إذ تقرر لدى المتكلمين أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
والشيخ إذيقرر كلامه ينبغي أن يفسر على النهج الذي ذكرنا, ولم لا والقرضاوي بنفسه قد عاش بلحمه ودمه صنوفا من تلك الاضطهاد والاستعباد ما ولّد لديه قناعة تامة بأن الحرية أساسية لتطبيق الشريعة.كما لو كان ممتثلا بالآية:
(الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وءاتوا الزكوة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ...الآية)  فهو إذا التمكين أولا ثم التطبيق.
                                      والحمد لله أولا وآخرا




الاثنين، 9 أبريل 2012

الجزيرة الثكلاء



جزيرة غوري مدينة متناقضة, تبتسم للعالم بطبيعتها الساحرة في حين تحتضن في رحمها أبشع صورة في تاريخ الإنسانية ,فهلم  نبحر معا نحو هذه الجزيرة الثكالى.
جزيرة غوري عبر التاريخ
 على بعد ثلاث كيلو مترات من العاصمة دكار تقع جزيرة غوري, وقد شكلت الجزيرة من منتصف القرن الخامس عشر إلى القرن التاسع عشر المنطقة الإستراتيجية  للنفوذ الاستعماري في المنطقة. حيث توالت على احتلالها كل من البرتغاليين عام 1444م ثم الهولنديين عام 1617م حيث سموها غويد ريد Goede Reede (الميناء الجيد) حيث الاسم الحالي للجزيرة, ثم غلب عليه الفرنسيون عام 1967م لكن كان بين هذا الأخير والبريطانيين نزاع مرير حول الجزيرة تم حله في اتفاقيات أميانس 1802م بعدها صارت خالصة للفرنسيين إلى أن تم الاستقلال.
هذا ولقد شهدت الجزيرة سلسلة من الصور المظلمة باتت وصمة على جبين التاريخ الإنساني وجرحا غائرا في ذاكرة الأفريقي, ذالك أنها كانت تمثل النقطة الأخيرة لنقل العبيد من غرب أفريقيا إلى أوروبا والأمريكيتين, فبمجرد أن تطأ قدميك عبر  أزقة هذه الجزيرة يستوقفك  تمثال –يبدو أن نصبه لم يكن اعتباطيا- ليروي لك في صمت, القصة من البداية إلى النهاية.
  يؤكد المؤرخون أن  عدد الأشخاص الذين نقلوا من إفريقيا عبر جزيرة غوري إلى القارة الأميركية يقدر بحوالي ستين مليون شخص، إضافة إلى ملايين من الذين ماتوا أثناء رحلة العذاب وهم في سفنهم، وآخرين عانوا من الأمراض فرمى بهم تجار النخاسة إلى البحر لقمة سائغة للأسماك، وكذلك  الذين قضوا نحبهم في أشغالهم الشاقة داخل الجزيرة قبل نقلهم في رحلتهم الأبدية إلى العالم الجديد حيث يحتقر العين سوادها.
معالم تاريخية
 تعرف هذه الجزيرة بمعالمها التاريخية الأخاذة المتأرجحة بين الأصالة  والمعاصرة. ومن بين  الآثار الخالدة :
بيت العبيد:
وهو الوحيد من بين العشرات  من الأماكن التي كانت تستعمل كمحل الارتحال للسفر بلا عودة , وترجع بنايته إلى عام 1780م, وقد شيدت لاحتجاز "المعتقلين" من الجنسين ومن جميع الأعمار قبل ترحيلهم. وتنقسم الدار إلى عدة عنابر, عنبر للنساء, وعنبر للأطفال, وعنبر للفتيات, وآخر للرجال, بالإضافة إلى عنابر للمتمردين لا يتجاوز سقفها 0.8 متر. بينما العنابر الأخرى لا تتجاوز مساحتها 6.76 متر مربع. في حين تكتظ بالعشرات من السلعة ذات النفس البشرية. وقد كانت هذه الدار نقطة بيع  وترحيل الرقيق, حيث تبدأ العملية بمقايضة الرقيق بالبضائع, ومن ثم ترحيل السيد ضحاياه عن طريق باب اللاعودة الشهير, وهو البوابة الخلفية للدار  المطلة على المحيط الأطلسي.
تمثال الحرية
لكن رغم الشعور بالمأساة الحزينة، ينتابك إحساس غريب بالانعتاق وأنت تقف أمام تمثال "حرية العبيد" خارج بيت العذاب والموت.. حيث تعانق فتاة افريقية متناسقة الجسد مستوية الملامح، قرينها الافريقي الشاب مجعد الشعر الذي كسر القيود رافعا هامته تحت شمس جزيرة غوري الجميلة.. إنه تمثال يعبر عن الرق، نفذ بواسطة فنان من جزر المارتينيك هو "جوادولوبو" في تاريخ الألفية للرق والاستعباد عام 2002 م ، ويزن التمثال البرونزي 500 كغ، ويبرز تحت التمثال طبل كبير.. والفكرة الفنية التي أراد الفنان صياغتها هي أن الطبول لم تكن حينها تستعمل للفرح كما هي اليوم.. لقد كانت تستخدم لجذب الناس وخروجهم من مخابئهم، فيتم اختطافهم إلى رحلة الموت أو الاستعباد. ولقد همس الفنان بحقيقة العذاب وإرادة الحرية.. فصار التمثال لحظة غفران تمجد الأسود الطيب.
هنا فقط عند "مشعل الحرية" هذا.. حيث تمارس الأنثى الإفريقية عناقها كما تشاء تحت ضوء الشمس، يتاح للزائر أن يرى جغرافيا الجزيرة الجميلة والتي رفلت كثيرا في ثوب التاريخ المؤلم..وعلى مسافة قريبة يرى الأطفال يلعبون على الشاطئ.. و الجزيرة العامرة بالحياة الرافضة للقيود.. الحالمة بغد أفضل..
جامعة القادة  " مدرسة ويليام بونتي القديمة"
تحتضن هذه الجزيرة  المؤسسة التعليمية الرائدة في بدايات  القرن العشرين : مدرسة ويليام بونتي التي تأسست عام 1903م وتعرف المدرسة على أنها المدرسة النظامية الفدرالية لأفريقيا الغربية الفرنسية.
 وتشتهر مدرسة وليام بونتي بأنها مؤسسة تعليمية خرجت كوادر ومعلمين وأطباء حملوا على أكتافهم عبء تأسيس معظم دول غرب أفريقيا.
وقد تخرج من هذه المدرسة قرابة ألفي طالب من أبرزهم الرئيس الراحل لساحل العاج فليكس هوفوت بوني، وموديبو كيتا أول رئيس لجمهورية مالي  وحماني جوري أول رئيس لجمهورية النيجر ومامادو جاه زعيم الإستقلال لجمهورية السنغال  إضافة إلى الرئيس السنغالي الحالي عبد الله واد.


المتحف التاريخي
يوجد المتحف التاريخي في الطرف الشمالي للجزيرة حيث الحصن "أستريت" المنيع أيام الإستعمار. وقد تم اعتماد المتحف من قبل المعهد الأساسي لإفريقيا السوداء(IFAN). هذا وتضم المتحف بين جنباته  أهم المشاهد للمسلسلات المختلفة للتاريخ السنغالي, إضافة إلى أجزاء مهمة من تاريخ غوري المعبر بالسطر والصورة.
غوري بين استقطاب  السياح واستفزاز الساسة
على الرغم من التطورات المذهلة التي تشهدها سواحل الرأس الأخضر إلا أن أن الجزيرة تمكنت  من الحفاظ على هويتها وأصالتها مما دفع اليونسكو إلى إدراجها ضمن برنامج مواقع التراث العالمية.
فلواحتها الأنيقة  تشد الجزيرة  انتباه السياح الذين يهتمون غالبا بالمعطيات التاريخية والمناظر الخلابة , ولذا تتدفق عليها السياح من جميع أرجاء العالم, فحينما تقل الباخرة من ميناء داكار تندهش بالأطياف المختلفة من السياح الأمريكيين والأوروبيين والأفارقة والآسيويين , حيث يقطعون ثلاثة أميال في البحر ليقفوا على جريمة عمرها ثلاثة قرون.
لكن الملفت للنظر هو عندما تكون الزيارة  من القادة الغربيين ليقفوا على أنقاض حضارتهم المكشوفة,  فلقد زار الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش جزيرة غوري في العام 2003م، وعبر عن أسفه البالغ في معرض انتقاده للعبودية معتبراً إياها أعظم الجرائم في التاريخ، كما زارها قبله سلفه الرئيس بيل كلنتون وأبدى اعتذاره لما حدث وأهداها شراعاً أبيض مليئاً بالثقوب في إشارة لمنافذ الحرية التي تنطلق في كل مكان. كما زارها بابا الفاتيكان يوحنا بولس الثاني وأبدى نفس الأسف لمشاركة رجال الدين الكاثوليك في ذلك الوقت في عمليات التجارة الآثمة.
كما يذكر أن نيلسون مانديلا زارها وعندما رأى زنازين العقاب الخاصة بالعبيد الآبقين طلب أن يدخلها لبعض الوقت.. وعندما كان يغادرها اغرورقت عيناه بالدموع.

المصادر
http://www.mairiedegoree.org