لم
يكن بودي أن أعود لهذا الموضوع بعد أن كثر فيه الأخذ والرد إلى حد التطاول على
الأشخاص قبل التأمل فيما يقال. وكنت أظن أن ما ذكر هنا وهناك من الآراء المعتدلة
في كشف جزء من هذه البلبلة الفكرية كاف في حسم الخلاف, غير أني عند ما رأيت الأمر يتخذ مسارا آخر غير
الذي كان الهدف شعرت بحتمية التعليق ولعله الأخير إن شاء الله حول الموضوع, وسيكون
ذلك من زاويتين:
الزاوية
الأولى: حول مصطلح الحرية
فالحرية
-إذا تعرت عن الهوى- تعد قيمة من القيم الانسانية التي لا يستقيم حياة العبد إلا
بها, يذكر العالم المقاصدي الطاهر بن عاشور رحمه الله أن هناك أربعة مفاهيم أساسية
تكون المحور الذي تدور عليه عقائد الإسلام وتعاليمه وتشريعاته, وهي: الفطرة والسماحة
والحرية والحق.
والسؤال
الوارد هو عن أية حرية نتحدث؟ وهنا يأتي أهمية توجيه النصوص والأقوال وتفسيرها وفق
الميزان الأصولي الذي يراعي العناصر الخمسة: النص (القول), الزمان, المكان, الشخص,
الحدث.
فالكثير يتحدث عن الحرية, ولكنها تختلف من شخص
لآخر ومن بيئة لأخرى, فعندما يتكلم الرئيس الفرنسي-مثلا- عن الحريات إنما يريد
التحرر عن القيود الدينية وخاصة الإسلامية مع التزام مبادئ الجمهورية الفرنسية,
وعندما يتحدث المعارض الصيني دَلاَيلاَما عن الحرية, فإنما يتحدث عن التفلت من قمع
الحكومة الصينية واستلابه على أراضي التيبيت. وعندما يتحدث الطفل عن الحرية ويترنح
بها فإنما يشتكي من تسلط أبويه, وهكذا تتلون الحرية وتتقمص حسب الأشخاص والأزمنة
والأماكن والبيئات. وهكذا أصبحت آلة تستعمل في حالات كثيرة كمفتاح للشر وفي قليل
من الأحيان كمفتاح للخير, ولذا عندما تأمل أحدهم قيمة الحرية تأوه قائلا: (يا لها
من جرائم ترتكب باسمك أيتها الحرية)
(O liberté; que de crimes on commet en ton nom)
غير أن الحديث هنا ليس منصبا حول مفهوم الحرية بقدر ما
يعني التنبه للبعد الفلسفي لهذا المصطلح
والسؤال الوارد هو ما مغزى كلام القرضاوي؟
يقول
القرضاوي مؤكدا غير متسائل: (أفضّل وأوثر تحقيق الحرية على مجرد تطبيق الشريعة,
لأني أرى أن تحقيق الحرية شرطا لتطبيق الشريعة, شرط أساسي) اھ كلامه وهنا نأتي
للنقطة الثانية.
الزاوية
الثانية: ماذا تعني الحرية عند الشيخ وغيره من الإسلاميين, وما مغزى هذا الكلام؟
الحرية
في مفهوم القوم تعني أمرين:(تحرير العبد- تمكين العبد)
أ-
تحرير
العبد وتخليصه من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد,كلمات قالها الصحابي الجليل
وهو يعيش أجواء من الحرية الخلاقة بعد أن كان المجتمع العربي يعيش جاهلية عمياء
تسلبه أخص خصائصه الفطرية, ثم تحرر بنور الإسلام, ولكنه عاش في المرحلة الأولى
حالة من الذعر والهلع حال دون التحرر الفكري, حيث كان المسلم مستضعفا في مكة يخشى
على نفسه ودينه ولا يجرؤ على الإفصاح بكلمة الحق فضلا عن تطبيق شريعة الحق, إلى أن
كان التمكين. وما أدراك ما التمكين
ب-
التمكين:
فالمسلم قد يكون ممكَّنا وقد لا يكون ممكَّنا, والفرق بينهما كالفرق بين الأعمى
والبصير, وبين الظل والحرور, وبين الأحياء والأموات.
ويظهر هذا الفرق جليا في السيرة النبوية بين
المرحلة المكية –إيمان بلا تمكين-, و المرحلة المدنية –إيمان مع تمكين-. والكثير
منا سمع وربما رأى ما حدث ويحدث لكثير من الدعاة والمصلحين بل وللمجتمعات المسلمة من
التضييق والتنكيل والتكبيل وطمس الهويات الإسلامية وقمع الحريات الدينية مما
يستحيل معه تطبيق شريعة الرحمن, لأن الحكام –والحالة هذه- أشبه بالطواغيت, والأمم
المسلمة المستضعفة أشبه بالعبيد, ومن هنا يأتي ضرورة التحرر من هذه الويلات للتمكن
من تطبيق شريعة الرحمن.
وفي
هذه الصورة بالذات تصبح الحرية شرطا ( حسب عبارة الشيخ, وبالمفهوم الأصولي) أساسيا
لتطبيق الشريعة, إذ تقرر لدى المتكلمين أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
والشيخ إذيقرر كلامه ينبغي أن
يفسر على النهج الذي ذكرنا, ولم لا والقرضاوي بنفسه قد عاش بلحمه ودمه صنوفا من
تلك الاضطهاد والاستعباد ما ولّد لديه قناعة تامة بأن الحرية أساسية لتطبيق
الشريعة.كما لو كان ممتثلا بالآية:
(الذين إن مكناهم في الأرض
أقاموا الصلاة وءاتوا الزكوة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ...الآية) فهو إذا التمكين أولا ثم التطبيق.
والحمد لله أولا وآخرا

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق