الثلاثاء، 14 مايو 2013

السياسة في السنغال بين العلمانيين والمشيخة الصوفية والإسلاميين


يعتقد أن 95% من سكان السنغال يدينون بالإسلام, وهذا أمر غير منكور, كما يعتقد أن الصوفية هي العقيدة السائدة في المجتمع السنغالي, وهذا الأخير كسالفه ليس بمنكور إذا نظرنا إلى الظروف التي دخلت فيها الإسلام في السنغال وإلى دور المشايخ في نشره.
ومع  ذلك نجد أن التاريخ السياسي  منذ فجر الاستقلال  لم يعرف سوى لونا واحدا من السياسيين الناشطين وهم العلمانيون على اختلاف أطيافهم ومشاربهم من اليمينيين واليساريين. لكن الأمر الذي يثير الدهشة هو مداراة رجال الدين للزعماء السياسيين وتقلبهم حسب اللون السائد, وهذه العلاقة التاريخية بين الطرفين أدى إلى تشكيل مفهوم علماني مختلف عما يريده السيد الفرنسي. إضافة إلى التحرك الإسلامي الضعيف التي بدأت ترسم معالمها في الآفاق 
وقد أدى تداخل تلك الوشائج إلى تشكيل علاقة ثلاثية الأبعاد بين الأطراف الثلاثة, نلقي الضوء عليها في السطور التالية:
أولا: علاقة السياسيين بالمشيخة
وفقا للسنن السياسية الميكيافيلية التقليدية , فإن الرجل السياسي يلهث دائما وراء مصلحته على حساب القيم والمبادئ السليمة.  والسياسي السنغالي ليس استثناء من هذه القاعدة لذا تجده لا يتردد في ادعاء الانتماء إلى طريقة من الطرق الصوفية السائدة بحثا عن الناخبين والمؤيدين, وكذا خطب ود المنتسبين لتلك الطريقة.
 ومن المعلوم تاريخيا في السنغال أن لزعماء الطرق الصوفية نفوذا غير طبيعي على أتباعهم وتلامذتهم, وأنهم قادرون على التأثير في الانتخابات من خلال إعطاء الأمر بالترشيح لصالح أحد المرشحين, "الأمر" الذي يلقى قبولا لدى الأتباع بناء على المنطق الصوفي الذي يلزم التلميذ  طاعة أمر الشيخ وحرمة مخالفته.
يلاحظ أن العلاقة بين الطرفين -حسبما يبدوا- قائمة على المصالح المتبادلة تتمثل في توفير الناخبين من جهة المشيخة, وتقديم الدعم المادي والمعنوي من جهة الساسة.
والجدير بالذكر أن الضحية في هذه اللعبة هو الشعب العزل الذي يعاني من غلاء المعيشة وشح الموارد الاقتصادية.
ولهشاشة القواعد الشعبية للرئيس المخلوع عبد الله واد, وقلة حظوظه لدى الجمهور فإنه ركز في حملته الانتخابية في الجولة الثانية على الأسر الدينية والزعماء الصوفية بحثا عن "أمر للأتباع بالتصويت لصالحه" وهذا الذي يفسر تدهور الأوضاع الدينية الطائفية حاليا في إطار التداعيات السياسية.
ثانيا: علاقة المشيخة بالإسلاميين
أقصد بالإسلاميين أولئك الذين يحاولون –ولو نسبيا- تقديم المشروع الإسلامي كبديل عن المشروع العلماني التقليدي السائد. ويدخل في ثنايا هذه الطائفة ثلة كبيرة من المثقفين باللغة العربية وجملة أقل بكثير من حاملي الثقافة الفرنسية وأفذاذ ممن ينتمون إلى الأسر الدينية. وتتمحور نشاطاتهم حول المجال التعليمي والدعوي, و من أبرز الجماعات الحركية المعروفة حركة جماعة عباد الرحمن التي لم تكشف لحد الآن عن وجهه السياسي, وثم حزب وحيد ذات اتجاه إسلامي هو MRDS  أي حركة الإصلاح والعدالة الاجتماعية.
وإذا تقرر ذلك, فالمعروف أن التيار الإسلامي محسوب على السنة, والتيار الصوفي بطبيعة الحال باق على تصوفه , فكان من الطبيعي أن تكون العلاقات متوترة بين الطرفين, تميل إلى الحذر والتحفظ أكثر منه إلى التصافح والتلاقح, ويعتبر هذا الواقع أكبر تحد أمام الحركة الإسلامية والإسلاميين. وهو أساس الموضوع الجدلي الدائر بين الحركيين ( السياسة) والتربويين التصفويين (التربية والتصفية). وما دامت العلاقات على النحو الذي ذكرنا فسيظل الإسلاميون في وضع لا ينبئ بأي صعود سياسي كنظرائهم في العالم الإسلامي (والحديث ذو شجون ليس هو الهدف من هذا المقال) 
علاقة الإسلاميين بأصحاب النفوذ السياسية العلمانيين
الاختلاف الفلسفي بين الطرفين كفيل بتحديد طبيعة تلك العلاقة, فالمشروع العلماني لا يقبل التفاوض مع الإسلام وينظر إلى حامليه بعين الازدراء والاستخفاف, وكثيرا ما يخلطون بين أولئك الإسلاميين وبين أرباب الكتاتيب التقليدية تكوينا وثقافة.
وخير شاهد على ذلك أن المثقف (المستعرب) في السنغال لم يتم الاعتراف بكفاءته الفكرية والثقافية رسميا  إلا في أواخر الثمانينات في حين كان قبل ذلك محسوبا في عداد الأميين.
ولعل الطرف الآخر –بل أكاد أجزم بذلك- لديه قصور في قراءته للواقع السنغالي وسبل التعاطي معه.
لكن, وبالرغم من العوائق المذكورة, ومن البيئة الاجتماعية المناوئة, إلا أن ثم حركات جادة وإن كانت بطيئة, وخطوات سديدة وإن كانت تخط على استحياء تبشر بمستقبل واعد للإسلام.
 غير أن هذا الصعود الإسلامي في البلاد مرهون بحجم  فاعلية الصوت الإسلامي في تعبئة الرأي العام بالمشروع الإسلامي, وبضرورة مراجعة خريطة التعاون مع المشيخة الصوفية. والحديث ذو شجون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق