كنا بالكاد مجموعة من المراهقين، تلامذة في المعهد
الإسلامي العالي بلوغا في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين حيث
كنا نعيش حالة نفسية تتعارك فيها إيحاءات الفطرة السليمة ونزوات المراهقة
المنفوخة.
في هذه الظروف بالذات لاحظتُ أستاذا يقارب الأربعين
–على ما يبدوا لي-يختلف إلى المعهد، نعرفه بسيماه: كان ذا بسطة في العلم والجسم،
صاحب منظر أنيق وهيئة حسنة، تزين وجهه لحية كثة، وتعلوا محياه الابتسامة الدائمة،
يخيل إليك عندما تلقاه لأول مرة أنه صديق قديم. ولعل يصدق في مثله تلك الكلمات
النبوية: "المؤمن يَأْلف ويُؤْلَف، ولا خير فيمن لا يَأْلَفُ ولا يُؤْلَف،
وخير الناس أنفعهم للناس".
كنا نألفه، وكان هو أكثر ألفة لنا. لم يلبث أن علِمْتُ
أنه مُدرِّس بالمدارس الحكومية ومن النخبة الفرنسية -كما يقال-، لكنه كان يحمل همّ
الدعوة ولعل هذا ما يفسر اختلافه إلى المعهد الإسلامي حيث يُتصورُ وجود براعم
للدعوة والحركة الإسلامية.
كنا في أيام السبت نحضر نشاطاته وثلة من رموز الإصلاح
في المدينة في صالة المحاضرة بمجمع عمر بونغو المشهور (Complexe Omar
Bongo)، حيث كانت لغة المحاضرات باللغة المحلية ممزوجة بالكثير من الجمل
والمصطلحات الفرنسية. في الحقيقة لم نكن
ندرك كثيرا من محتويات تلك المحاضرات، لكن كانت تكفينا جملة واحدة تتعرض لتفنيد
العلمانية -مثلا-أو فلسفة من الفلسفات الهدامة أو ترد على دعاة التحرر والتفسخ
الأخلاقي، لكي نطير بها فرحا نستأنس بها أسابيع وتكون حديث المجالس. كنا نبحث عما
يذكي الحماس وكان موجودا عند الأستاذ رحمه الله.
هذا عن نشاطاته العامة، أما فيما يخصنا فكان لدينا معه
لقاءات أسبوعية أو بالأحرى سهرات ليلية يطرح لنا فيها قضية من قضايا الساعة وليس
كأي طرح!
تعلمنا بين يديه طريقة في الطرح لم نكن نعهدها، كان
يبادرنا بأسئلة نراها بديهية ونبادر بالجواب وكأننا الإمام مالك أو أبو حنيفة، ثم
يعترض على أجوبتنا بطريقة عقلية يجعلنا في حيرة من الأمر ونصبح وكلنا فضول في
معرفة الجواب.
كنا ننكر اعتراضاته لأول وهلة. لكني -شخصيا-وبعد عقد
من الزمن وأنا أقلب في مسألة من المسائل تذكرتُ الأستاذ ومنهجيته وأدركتُ ما كان
يرمي إليه.
إنه كان يلامس الجوهر المكنون في الشباب، ويثير الفضول
المعرفي، ويوقظ العقل الكسول، وكأن لسان حاله يقول: أفيقوا يا شباب، وأيقظوا هممكم
وعقولكم فإن الأزمة القائمة أزمة عقل، وإن التحديات القادمة تحديات فكرية قبل أن
يكون أي شيء آخر.
على كل حال كنا وإياه أسرة واحدة، نشتاق لليالي الجمعة
حين كان يقودنا الزميل محمد غي سيلا إلى ذاك الحي حيث نلقى الأستاذ أو نُزاول تدريبات
دعوية.
نعم، كانت تدريبات دعوية على شكل مسرحيات إسلامية
هادفة. وهناك زاولت مهاراتي الأولى في مجال التمثيل، مع أول مسرحية بعنوان: حادثة
الإفك.... وتوالت تلك المسرحيات التي تستمد خيوط أفكارها من وحي القرآن والسيرة
النبوية. وقد باتت صورا مخزونة في الذاكرة بعد أن كانت كلمات محفوظة في الصدر...
وحين أنظر من حولي وأرى أغلب التلاميذ الذين كانوا من
حوله قد أصبحوا أشبالا في الدعوة والعمل الإسلامي أدرك فعلا جليل عمل الأستاذ وصدق
حدسه وبعد رؤيته وثمرة دعوته.
طبعا ليس لدي الكثير لأقوله عن هذا الأستاذ الفاضل، والمربي
الخلوق والداعية الحصيف الذي عايشته في ظرف قصير لم يتجاوز السنتين وفي فترة من
العمر والصِّبا لم يكن للضمير فيها كلمة مسموعة ولا للروح فيها معنى ذي بال، إلا
أن القلب يأبى إلا أن ينتفض لذكراه وتأبى العزيمة إلا أن تستلهم بسيرته، ويأبى
القلم إلا أن يسطر كلمات من الوفاء وعرفانا.
رحم الله الأستاذ المربي علي غي الجامبري فقد كان
مثالا في الخلق، مثالا في التواضع، مثالا في الاحتفاء بالشباب، مثالا في التربية
والحركة والدعوة... رحمه الله برحمته
الواسعة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق