الثلاثاء، 14 مايو 2013

التدين عند الفلانيين في الفترة ما قبل الإسلام


الحديث هنا يحاول الكشف عن  الموروثات الفلسفية الدينية للفلان في الفترة ما قبل الإسلام. ذلك أن المنصف يلاحظ تفاني هذا الشعب في الدفاع عن الدين ولا يخفى مواقفهم الحميدة في نشر الإسلام على امتداد إفريقيا جنوب الصحراء منذ القرن الثاني الهجري حسب ما قرره علماء الآثار, أو القرن الرابع حسب الكتابات الغربية, لكن السؤال هنا ليس عن انتمائهم الإسلامي لكن عن التدين في الجاهلية, هل كانوا على الفطرة؟ وهل كان لديهم أنبياء؟أم أنهم  كانوا وثنيين كما هو الشأن في أغلب القبائل الإفريقية؟ للإجابة على هذا السؤال لابد من التطرق -بشكل مختصر جدا -للأطروحات المختلفة حول أصول الفلان.
مما لاشك فيه أن الفلان ينحدرون من أصول حامية  وهذا يرد على كل نظرية تؤكد صلتهم باليهود , كما يرد على دعوى الانتماء إلى العرب وخاصة من رجل في القرن الثاني الهجري مثل عقبة بن نافع الأموي. ومن المؤكد أنهم كانوا مقيمين في الصحراء الكبرى جنوب النيل (مصر والسودان –حاليا-) حسب الروايات الفلانية – ومجاورين للفراعنة ثم اتجهوا جنوبا متوغلين في الأدغال إلى أن وصلوا غرب إفريقيا تحت ظروف مشروحة في روائيات أمادو  حمباتي باه المالي الشهير
لكن السؤال هو ما هي العقيدة التي كانوا يؤمنون بها قبل إسلامهم في القرن الثاني الهجري؟
تشير الروايات إلى أن عباداتهم لم تكن لأحجار منحوتة أو لحيوانات مرعبة ول
كن لها  علاقة بالشمس أو برب الشمس!!
عبادة الشمس عند الفلاتة
يرى بعض المؤرخين أن الفلان كانوا يعبدون رب الشمس وهو ما يميل إليه المؤرخ الشهير يرو دورو جالو, بناء على أنه كان لديهم نبي في غابر الزمان يسمى " تُمَانِ" أو "آتمان" (وهو اسم يوحي إلى عثمان!) وقد استدل على ذلك  ببقايا الأهازيج التي يتغنى بها العجائز الفلان- ولا يزال الأنشودة مشهورا إلى يومنا هذا بين عجائز فوتا تورو وتجيب في الوقت نفسه على السؤال :هل كان هناك نبي للفلان؟
والأنشودة كالتالي :
 (ha tumaani  bajjel, tumani yiɗi nguuron, tumani yiɗii mayon, tumani wona alla tumani ko annabiijo alla, ko alla tan nelnooɗum yo haal ko halatako)
"إنه آ تمان الفريد , كتبت لكم الحياة والموت سواء أراد ذلك تمان أم لم يرد , تمان لم يكن إلها وإنما كان نبيا من أنبياء الله يتكلم على لسانه"
وحيال هذه الأنشودة التي تؤكد أن الشخص المدعو "تمان- بضم التاء, أو آتمان" لم يكن إلها وإنما كان نبيا, لا يمكن لنا الجزم بصحته أو عدمه لعدم الدليل الصحيح الصريح على ذلك وإن كان يحتمل دخوله في قوله تعالى (ومنهم من لم نقصص عليك)
 فهذه الأطروحة وإن أراد أن يجعل من الفلان شعبا عاشت مدى الزمان على الفطرة غير أن الأدلة على عبادة الشمس أكثر وأوفر كما ستراه في الآتي.
أطروحة عبادة الشمس
يعتمد أصحاب هذا المذهب  على ما نقل في الروايات من أن عجائز الفلان كانوا يؤدون صلواتهم عند طلوع الشمس, يتوجهون نحوها خافضين رؤوسهم مع مد أصبع الخنصر,  يرتلون صلاة الحرمات السبع بالصيغة التالية:  
 (buuɗal yurmeende fuɗi e bindi Geno, yo jam ñallu ha ɗo cinsinɗima kaaɗi, jawdi e ɓesngu ne sarii e ladde yo yiiterema reen, amin keddi e fimnde ma min piptata, kala ko jiɗɗa min coottiriɗum biige e dimaaɗe e ƴiiƴam sagataaɓe, amin keddi e fimnde ma min piptata, min penata, min kulata kowona alla, min tooñatah, min ngujjata, min njanfotaako, min ngoofatah, min taƴatah enɗam, kala ko daña koho renda, yo to cinsinɗema kaaɗi.)
(طلعت شمس الرحمة في ملكوت الإله الأزلي, ليستقر السلام إلى منتهى شعاعك, ولتكن المال والأهل المنتشرة تحت رعايتك وكلئك, فنحن لا زلنا ولا نزال على عهدك, نفتدي بمرضاتك الأبقار والصافنات الجياد ودماء الشباب , نحن على عهدك باقين ولن نخلفه, لا نكذب, لا نخشى سواك,  لا نظلم, لا نسرق, لا نخون, لا نعصيك, ولا نقطع الرحم, كل ما نملكه في محيط شعائك مشترك بيننا"
وعليها ملاحظات:
أولا: يلاحظ أن كاف الخطاب موجه دائما إلى الشمس وليس إلى  رب الشمس الأزلي (Geno), وهذا أبلغ دليل على أنهم من عباد الشمس على غرار قوم سبأ (وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله)
ثانيا: ونجد في هذا الصلاة تعظيم شعاع الشمس لسعتها اللامتناهية في رأيهم
ثالثا: موضوع الحرمات السبعة الموجودة في أبجديات اللغة الفلانية على اختلاف قبائلها , فلا يزالون يحلفون بها, ويقولون "haramejam jeeɗiɗi" أي (بحق الحرمات السبعة ) فما هي هذه الحرمات؟ الجواب موجود في الصلاة السابقة وهي  (1-لا نكذب, 2-لا نخشى سواك,  3-لا نظلم, 4-لا نسرق, 5-لا نخون, 6-لا نعصيك, 7-ولا نقطع الرحم) وهي كما ترى منهيات شرعية في الدين الإسلامي (الكذب , الشرك الظلم, السرقة, الخيانة, العصيان, قطيعة الرحم ) فهذه القيم الأخلاقية تعد -في السابق- المواثيق السبعة للفلاتة , ويعتبر لحد الآن في أوساط الفلان في فوتا تورو من الأيمان المغلظة .
أطروحة عبادة الأصنام واشتقاق الألقاب من الآلهة
وهناك أطروحة تذكر أن أسماء الفلانيين مشتقة من آلهتهم التي كانوا يعبدونها ف "با" و"بري" و"بالدي" إشارات إلى آلهة الشمس , فالباء تعني البركة و"ره" تعني الشمس عند القوصيين , ولقب "صو" إشارة إلى حية كانوا يعبدونها , ومثل ذلك في "جوب" وهلم جرا . على أن هناك من كانوا يعبدون العجل ويرون أنه أعظم شيء في وجه البساطة , ولذا يقولون (kaari ko ngaari mawndi)  فلان عجل كبير ....
وأخيرا ما ذكرناه أعلاه من القراءة التاريخانية لا ينقص شيئا من الهوية الإسلامية العريقة لقبيلة الفلان ودورها المجيد في نشر الإسلام في ربوع القارة , وهذا وحده مصدر فخر واعتزاز .

خاطرة : عصر الإكراهات


يذكر علماء الأصول أن عموم البـلوى هو ما تمس الحاجة إليه في عموم الأحوال, وتستعمل عادة للدلالة على حالة استثنائية يستباح فيه ما تركه أولى من فعله,  وهذا المصطلح على بساطته إلا أنه يحتوي على مدلول فقهي عميق يجسد الواقع المعاش. وذلك أننا إذا تأملنا الجانب اللغوي لهذا المصطلح نجده يعني –حرفيا- "شمول المحنة".
ونحن في المرحلة الحالية –مرحلة الغثائية- نلاحظ أن الواقع الإسلامي تتجاذبه حالات توحي بالإكراه منه أكثر إلى الخيار!. بعبارة أخرى: الأمة الإسلامية في إفرازاتها الفكرية المعاصرة تعيش حالة من "الامتحان أو الإختبار الشامل".
ويتضح ذلك بالصور التالية:
فاستعمال مصطلح الرأي والرأي الآخر, نحن والآخر, المسلمون وغير المسلمين-مثلا-  يجسد الخناق وربما الحرج الذي يشعر به الكتاب والمفكرون من تحفظهم بالمصطلحات الشرعية الأصيلة نحو: الكفار والمشركون والمجوس وأهل الكتاب وو.
وعلى صعيد الأفراد نجد قضايا مثل : مسألة إرث المسلم من الكافر, وميراث ولد الزنا, وقضايا المرأة من توظيفها وولايتها. وكذا جميع ما يتصل بفقه الأقليات المسلمة, (ولاحظ أن مصطلح الأقلية أصبح منطبقا على كثير من الأغلبيات في زمن الوهن والغثائية) نتلمس في طرحها عامل "الإكراه".
وعلى مستوى الجماعات نلاحظ العهود والمواثيق الدولية التي قد لا تستجيب لمطالب المسلمين وترفض تقسيم العالم إلى دارين, ومسألة اللجوء السياسي إلى بلدان غير المسلمين. كما نلاحظ طغيان روح الدفاع في خطاب الدعاة والمصلحين ("ليس هذا هو إسلاما" بدلا من "هذا هو الإسلام".
والأمثلة على الإكراهات التي تحدق بالأمة في هذا الزمان لا تكاد تحصى.
فهل للاختبار الشامل (عموم البلوى) انعكاسات وأبعاد على مسار الفقه الإسلامي في صورته المعاصرة؟
الجواب بكل أريحية هو نعم.  
فمثلا : هناك من يقول أن جهاد الطلب كان في وقت لا توجد فيه معاهدات دولية ولا حدود إلا تلك الثابتة بقوة السلاح أو بعد المسافة ولم  تكن فيه إمكانية إيصال الدعوة لأكثر الأقاليم دون إسناد حربي، ولم  تكن فيه أسلحة نووية فتاكة يمكن أن تقضي على الجنس البشر, ولا أنواع الأسلحة النارية التي  تدمر شعوباً بأسرها وتشردها.
أما الواقع اليوم، ففيه كل هذا، فهو مختلفٌ عن الواقع القديم. فالكلي حينئذ يحكم على الجزئي وذلك دون مناقشة أصل وجوب جهاد الطلب فلايتسع له الخواطر.
ففي هذا المثال –على فرض صحته- نجد أثر الامتحان الشامل الذي يمر به الدار الإسلامي
وهو واحد من أسباب اتجاه الفقهاء والأصوليين المعاصرين نحو التنظير للفقه الواقعي والفقه التوقعي مع استعمال مختلف الأدوات الاجتهادية متمثلة في الرأي المقاصدي الذي بدأ يشق طريقه بقوة الصاروخ وفي الرأي الظاهري الفقهي الذي يعتمد على قراءة الشرع المنزل أو المؤول.
ولذا وذاك جاز لي القول بأنه يتحتم على الباحثين وطلبة العلم تحمل مسئولية (وضع خطا تحت الكلمتين) أداء الأمانة في توظيف المقاصد الشرعية المرعية (القصد القصد تبلغوا, , إعمال الرخص كالعزائم, فقه المآلات, التيسبر والتخفيف ورفع الحرج على الأمة  ..وغيرها)  توظيفها توظيفا آمنا في إطار من الفقه والواقعية والموضوعية دون حيف في الميزان أو بخس في الحقوق.

السياسة في السنغال بين العلمانيين والمشيخة الصوفية والإسلاميين


يعتقد أن 95% من سكان السنغال يدينون بالإسلام, وهذا أمر غير منكور, كما يعتقد أن الصوفية هي العقيدة السائدة في المجتمع السنغالي, وهذا الأخير كسالفه ليس بمنكور إذا نظرنا إلى الظروف التي دخلت فيها الإسلام في السنغال وإلى دور المشايخ في نشره.
ومع  ذلك نجد أن التاريخ السياسي  منذ فجر الاستقلال  لم يعرف سوى لونا واحدا من السياسيين الناشطين وهم العلمانيون على اختلاف أطيافهم ومشاربهم من اليمينيين واليساريين. لكن الأمر الذي يثير الدهشة هو مداراة رجال الدين للزعماء السياسيين وتقلبهم حسب اللون السائد, وهذه العلاقة التاريخية بين الطرفين أدى إلى تشكيل مفهوم علماني مختلف عما يريده السيد الفرنسي. إضافة إلى التحرك الإسلامي الضعيف التي بدأت ترسم معالمها في الآفاق 
وقد أدى تداخل تلك الوشائج إلى تشكيل علاقة ثلاثية الأبعاد بين الأطراف الثلاثة, نلقي الضوء عليها في السطور التالية:
أولا: علاقة السياسيين بالمشيخة
وفقا للسنن السياسية الميكيافيلية التقليدية , فإن الرجل السياسي يلهث دائما وراء مصلحته على حساب القيم والمبادئ السليمة.  والسياسي السنغالي ليس استثناء من هذه القاعدة لذا تجده لا يتردد في ادعاء الانتماء إلى طريقة من الطرق الصوفية السائدة بحثا عن الناخبين والمؤيدين, وكذا خطب ود المنتسبين لتلك الطريقة.
 ومن المعلوم تاريخيا في السنغال أن لزعماء الطرق الصوفية نفوذا غير طبيعي على أتباعهم وتلامذتهم, وأنهم قادرون على التأثير في الانتخابات من خلال إعطاء الأمر بالترشيح لصالح أحد المرشحين, "الأمر" الذي يلقى قبولا لدى الأتباع بناء على المنطق الصوفي الذي يلزم التلميذ  طاعة أمر الشيخ وحرمة مخالفته.
يلاحظ أن العلاقة بين الطرفين -حسبما يبدوا- قائمة على المصالح المتبادلة تتمثل في توفير الناخبين من جهة المشيخة, وتقديم الدعم المادي والمعنوي من جهة الساسة.
والجدير بالذكر أن الضحية في هذه اللعبة هو الشعب العزل الذي يعاني من غلاء المعيشة وشح الموارد الاقتصادية.
ولهشاشة القواعد الشعبية للرئيس المخلوع عبد الله واد, وقلة حظوظه لدى الجمهور فإنه ركز في حملته الانتخابية في الجولة الثانية على الأسر الدينية والزعماء الصوفية بحثا عن "أمر للأتباع بالتصويت لصالحه" وهذا الذي يفسر تدهور الأوضاع الدينية الطائفية حاليا في إطار التداعيات السياسية.
ثانيا: علاقة المشيخة بالإسلاميين
أقصد بالإسلاميين أولئك الذين يحاولون –ولو نسبيا- تقديم المشروع الإسلامي كبديل عن المشروع العلماني التقليدي السائد. ويدخل في ثنايا هذه الطائفة ثلة كبيرة من المثقفين باللغة العربية وجملة أقل بكثير من حاملي الثقافة الفرنسية وأفذاذ ممن ينتمون إلى الأسر الدينية. وتتمحور نشاطاتهم حول المجال التعليمي والدعوي, و من أبرز الجماعات الحركية المعروفة حركة جماعة عباد الرحمن التي لم تكشف لحد الآن عن وجهه السياسي, وثم حزب وحيد ذات اتجاه إسلامي هو MRDS  أي حركة الإصلاح والعدالة الاجتماعية.
وإذا تقرر ذلك, فالمعروف أن التيار الإسلامي محسوب على السنة, والتيار الصوفي بطبيعة الحال باق على تصوفه , فكان من الطبيعي أن تكون العلاقات متوترة بين الطرفين, تميل إلى الحذر والتحفظ أكثر منه إلى التصافح والتلاقح, ويعتبر هذا الواقع أكبر تحد أمام الحركة الإسلامية والإسلاميين. وهو أساس الموضوع الجدلي الدائر بين الحركيين ( السياسة) والتربويين التصفويين (التربية والتصفية). وما دامت العلاقات على النحو الذي ذكرنا فسيظل الإسلاميون في وضع لا ينبئ بأي صعود سياسي كنظرائهم في العالم الإسلامي (والحديث ذو شجون ليس هو الهدف من هذا المقال) 
علاقة الإسلاميين بأصحاب النفوذ السياسية العلمانيين
الاختلاف الفلسفي بين الطرفين كفيل بتحديد طبيعة تلك العلاقة, فالمشروع العلماني لا يقبل التفاوض مع الإسلام وينظر إلى حامليه بعين الازدراء والاستخفاف, وكثيرا ما يخلطون بين أولئك الإسلاميين وبين أرباب الكتاتيب التقليدية تكوينا وثقافة.
وخير شاهد على ذلك أن المثقف (المستعرب) في السنغال لم يتم الاعتراف بكفاءته الفكرية والثقافية رسميا  إلا في أواخر الثمانينات في حين كان قبل ذلك محسوبا في عداد الأميين.
ولعل الطرف الآخر –بل أكاد أجزم بذلك- لديه قصور في قراءته للواقع السنغالي وسبل التعاطي معه.
لكن, وبالرغم من العوائق المذكورة, ومن البيئة الاجتماعية المناوئة, إلا أن ثم حركات جادة وإن كانت بطيئة, وخطوات سديدة وإن كانت تخط على استحياء تبشر بمستقبل واعد للإسلام.
 غير أن هذا الصعود الإسلامي في البلاد مرهون بحجم  فاعلية الصوت الإسلامي في تعبئة الرأي العام بالمشروع الإسلامي, وبضرورة مراجعة خريطة التعاون مع المشيخة الصوفية. والحديث ذو شجون.

الجمعة، 1 يونيو 2012

أزمة التعليم العربي في السنغال- قراءة من الداخل


إن مما دفعني إلى الكتابة حول هذا الموضوع هو ما يعيشه المثقف العربي في السنغال في الآونة الأخيرة من أزمات اجتماعية ومؤامرات سياسية وحملات استفزازية ضد اللغة العربية وضد من اختاروه منذ نعومة أظفارهم, أوقع الكثير من مثقفي هذه اللغة في حيرة وكأنهم أمام طريق مسدود. تأملت هذا الواقع المهين فساقني إلى جملة من التساؤلات حول ماضي اللغة العربية وحاضرها ومستقبلها في السنغال, سوف نحللها في السطور التالية.
لمحة موجزة عن تاريخ التعليم العربي في السنغال
إن من نافلة القول أن نذكر بأصالة اللغة العربية في القطر السنغالي, ذالك أن الكتابات حول هذا الموضوع قد قتلت بحثا.كما أنها تنجلي لكل ذي عينين, فاللغة العربية لغة الإسلام , دخلت السنغال مع دخول الإسلام منذ القرن الحادي عشر الميلادي, فكانت وسيلة لرفع الجهل عن الشعب وترشيدهم في دينهم ودنياهم, حتى تبوأت مكانا مرموقا وصارت مقياسا للفضل والعقلانية, من أتقنها فهو النحرير الفاضل, ومن ليس كذالك فهو الغبي الجاهل, وكان ذالك بسبب عدة عوامل, أهمها:

1- إتصال اللغة العربية بالدين اتصال القلب بالقالب, فهي لغة القرءان , ولغة المعلم الأول, ولايفهم الدين إلا بها.
2- جهود العلماء الجبارة في نشر هذا الدين عن طريق تكوين الكتاتيب والمجالس العلمية التي تعنى بتدريس جميع فنون اللغة العربية باعتبارها الوسيلة المثلى لفهم القرءان.
3- كون تلك اللغة مسايرة لعصرهم ومستجيبة لمتطلباتهم, فكانوا يعبرون بها عن آرائهم وآمالهم وأحلامهم وآلامهم. دونوا بها التراثو وخاطبوا بها الرجل المحتل, وهم في ذالك مطمئنين لجدارتها محتفين بأصالتها.

منعطف تاريخي

عند ما تمكن الاحتلال في أرض القوم شن حربا ضروسا على الإسلام وعلى اللغة العربية, فجاء تلكم القرارات متتالية لتقليص نشاط هذه اللغة من جهة إقصاء المعلمين, وإلزام اللغة الفرنسية على المدارس , فكان تلك المرحلة نذير تحول في سير اللغة العربية وظهور مايسمى بالمدارس العصرية.
المدارس العصرية- الجذور والواقع
في القرار الصادر بتاريخ 22 مايو 1857م , واشتهر بقرار فيدربه, بخصوص المدارس العربية الإسلامية جاء فيه مايلي: لفتح أي مدرسة إسلامية لابد لصاحبه من الحصول على رخصة ويتطلب ذالك مايلي:
1- أن يكون الشخص من سكان مدينة سان لويس أو مقيما فيها منذ زمن بعيد.
2- أن يجتاز المقابلة الشخصية لدى لجنة التحكيم المكونة من والي المدينة, وشخصين من إدارة الإستعمار ومواطن يجيد اللغتين العربية والفرنسية.
3- أن يكون حاصلا على شهادة حسن السيرة والسلوك مقدم من لدن الحاكم.

وبالنظرة الفاحصة حول هذه القيود يتبين لنا النوايا المكشوفة التي يرنوا إليها المستعمر ,وهي: نشر اللغة الفرنسية, وتقليص الحركة التعليمية الإسلامية والحط من قيمتها, إضافة إلى محاولة فصل الشعب عن ماضيه, وإنشاء جيل جديد للمجتمع على نمط  يخدم مصالح المحتل.
ولئن كان تلكم الخطوات المرجفة قد قوبل في الوهلة الأولى بنوع من الثبات والتحدي, بيد أنه لم يلبث أن خارت القوى وتمزقت شملة الشيوخ, فاعتزلوا في الخلاوى والزوايا بعيدا عن المناطق الإدارية. فتمكن المستعمر من إحكام سيطرته, وإملاء قوانينه, فوقعت الطامة الكبرى.
وفي محيط هذه التداعيات ظهر مايسمى بالمدارس العصرية والتي لم تكن في الواقع سوى مؤسسات تعليمية استعمارية بقيت سائدة في المناطق الإدارية لحقبة من الزمن. وفي منتصف القرن العشرين حدثت انتفاضة مباركة من أبناء الدارات التقليدية, حيث توجهوا في البلاد العربية شرقها وغربها, نتجت عن هذه الحركة انتعاش جديد للتعليم العربي, وظهرت المدارس العربية في ثوبها الحالي , شاركت في تكوين شخصيات نادرة ساهموا في نهضة البلاد. غير أنه قد لاح في الأفق وعلى مدى السنوات تناقضات حادة في محيط تلك المدارس, انعكست سلبيا على رواد هذه المؤسسات ومرتاديها.
ذالك أن مؤسساتنا التعليمية كانت -ولا تزال- تؤسس بعيدا عن المعايير العلمية. أجل, نحن لا ننكر أن أغلبها بالكاد أنشئت  على نوايا شريفة, وتحت ظروف استثنائية, إلا أن ذالك لا يكفي لتخريج أجيال قادرة على مواجهة التحديات ودفع عجلة التقدم لمجتمعاتها. فالواقع أننا نجد أن التلميذ يتخرج في هذه المدارس ويحمل شهادة ليس لها أي قيمة علمية مما يدفع هذا الأخير إلى الجحود بدل الوفاء والنكران بدل العرفان. وسبب ذالك في رأيي يرجع إلى عدة أمور منها:

1- تناقض المناهج: إذ أن لكل مؤسسة مرجعية خاصة في استقاء مناهجها الدراسية, فهذه المدرسة تتبنى مناهج أزهرية, وتلك مناهج مغربية, والأخرى مناهج سعودية, والأسوأمن يجمع بين مناهج مختلفة الهدف والمضمون في مؤسسة واحدة, ويبقى الخاسر الوحيد هم االتلاميذ, أعني الجيل القادم.
2- قصور في المحتوى: مع أن تلكم المناهج متناقضة, فهي في الوقت نفسه قاصرة , لا تحتوي إلا على جزء بسيط من المعارف , فهي دراسية أدبية بحتة, ولم تعر اهتماما للجانب العلمي مع بروز الحاجة إليه. والأدهى والأمر أنها في احتفائها بالجانب الأدبي تهمل إلى حد بعيد اللغة الفرنسية, في حين نطمئن جميعا إلى أهميتها في الساحة.
3- المثالية الإدارية: مؤسساتنا التعليمية العربية أنشأتها أفراد, وكل فرد يرى من الآخر منافسا إن لم يكن عدوا, فكل يسعى لاحتواء مؤسسته وصبغها بطريقته الخاصة  تحت وطأة قانون  الملكية الشخصية.

الحلول والمقترحات

إن على السادة المستعربين رواد المؤسسات التعليمية استشعار المسؤولية أمام الله , ثم أمام هذا الشعب المسلم, والتيقن بأنها أمانة تحاسبهم عليها الأجيال القادمة. ويمكن رتق الفتق وتقليص الأخطاء وإصلاح تلكم المؤسسات إذا أخذنا بعين الإعتبار الآتي:
1- اعمال قاعدة " نجتمع فيما اتفقنا عليه, ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه" فبالرغم من اختلاف الوجهات الفكرية والخلفيات الثقافية تبقى أسس التعليم بشقيه الأدبي والعلمي ثابتة لاتتغير مهما اختلفت اللغات والأهداف والغايات.
2- توحيد المناهج, ولا يعني ذالك التطابق الحرفي لجميع المناهج في المدارس العربية. بل المقصود هو وضع منهج خاص -أدبي علمي- تجرى عليها اختبارات عامة, تصدر على غرارها شهادة موحدة معترفة بها لدى الحكومة, تكون لها نفس قيمة الشهادات الفرنسية. حيث يتم تدريس محتوى تلك المناهج في المدارس العربية, ولكل مدرسة مافاض من الوقت لخدمة مصالحها الخاصة. وينبغي التنويه في هذا المقام بالمساعي الطيبة والجهود المضنية التي قامت بها وزارة التربية في الآونة الأخيرة من مشروع يصب في هذا الإتجاه. غير أنه لم يتم التجاوب معه بالشكل المطلوب.
وإذا علمنا تداعيات تلكم المناهج المختلفة على مستقبل اللغة العربية والمستعربين جاز لنا هذا الإقتراح الأخير وهو: اتخاذ سياسات صارمة من قبل الحكومة للحد من هذه الفوضوية , وفقا للمثل العربي " أعط أخاك تمرة, فإن لم يقبل فأعطه جمرة" , ويتم ذالك عبر البروتوكولات التالية:

التوقف من التوزيع العشوائي لرخصة افتتاح مدرسة عربية, فما لا يمكن تداركه في الماضي, يمكن تفاديه في المستقبل. إذ أن المدارس العربية المرخصة لها في السنغال تعد بالمئات, والكثير منها وهمي لا واقع له. ولا ننسى قصة ذالك الرجل المستعرب الذي حصل على منحة في إحدى الجامعات الألمانية بعد أن قدم ملفا كاملا صودق عليه من من قبل الوزارتين- التربية والخارجية-, لاكن لما اتصل مسؤولو تلك الجامعة بسلطاتنا تبين أن الملف مزيف, وأن لا وجود لتلك المؤسسة على الإطلاق. 
مراجعة معايير التصديق لدى أجهزة الدولة للحيلولة دون العبث بها. إذ أننا نعلم أن الكل يملك جهازا في مدرسته, وفي وسعه إصدار شهادة بأجمل صيغة, وأرقى تصميم, مما يؤكد انعدام المصداقية في مؤسساتنا. وعليه فلا يطمئن القلب أبدا في الشهادات العربية المحلية.
وأخيرا, لنقف وقفة تأمل مع قول الباري جل وعلا: " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" فالتغيير إذا يبدأ من الداخل.
 قال الشاعر
      نعيب زماننا والعيب فينا        وليس لزماننا عيب سوانا
      ونهجوا ذا الزمان بغير عيب       ولو نطق الزمان لنا هجانا