الحديث هنا يحاول الكشف عن الموروثات الفلسفية الدينية للفلان في الفترة
ما قبل الإسلام. ذلك أن المنصف يلاحظ تفاني هذا الشعب في الدفاع عن الدين ولا يخفى
مواقفهم الحميدة في نشر الإسلام على امتداد إفريقيا جنوب الصحراء منذ القرن الثاني
الهجري حسب ما قرره علماء الآثار, أو القرن الرابع حسب الكتابات الغربية, لكن
السؤال هنا ليس عن انتمائهم الإسلامي لكن عن التدين في الجاهلية, هل كانوا على
الفطرة؟ وهل كان لديهم أنبياء؟أم أنهم
كانوا وثنيين كما هو الشأن في أغلب القبائل الإفريقية؟ للإجابة على هذا
السؤال لابد من التطرق -بشكل مختصر جدا -للأطروحات المختلفة حول أصول الفلان.
مما لاشك فيه أن الفلان ينحدرون من أصول حامية وهذا يرد على كل
نظرية تؤكد صلتهم باليهود , كما يرد على دعوى الانتماء إلى العرب
وخاصة من رجل في القرن الثاني الهجري مثل عقبة بن نافع الأموي. ومن المؤكد أنهم
كانوا مقيمين في الصحراء الكبرى جنوب النيل (مصر والسودان –حاليا-) حسب الروايات
الفلانية – ومجاورين للفراعنة ثم اتجهوا جنوبا متوغلين في الأدغال إلى أن وصلوا
غرب إفريقيا تحت ظروف مشروحة في روائيات أمادو
حمباتي باه المالي الشهير
لكن السؤال هو ما هي العقيدة التي كانوا يؤمنون بها
قبل إسلامهم في القرن الثاني الهجري؟
تشير الروايات إلى أن عباداتهم لم تكن لأحجار منحوتة أو لحيوانات مرعبة ولكن لها علاقة بالشمس أو برب الشمس!!
تشير الروايات إلى أن عباداتهم لم تكن لأحجار منحوتة أو لحيوانات مرعبة ولكن لها علاقة بالشمس أو برب الشمس!!
عبادة الشمس عند الفلاتة
يرى بعض المؤرخين أن الفلان كانوا يعبدون رب الشمس
وهو ما يميل إليه المؤرخ الشهير يرو دورو جالو, بناء على أنه كان لديهم نبي في
غابر الزمان يسمى " تُمَانِ" أو "آتمان" (وهو اسم يوحي إلى
عثمان!) وقد استدل على ذلك ببقايا
الأهازيج التي يتغنى بها العجائز الفلان- ولا يزال الأنشودة مشهورا إلى يومنا هذا
بين عجائز فوتا تورو وتجيب في الوقت نفسه على السؤال :هل كان هناك نبي للفلان؟
والأنشودة كالتالي :
(ha tumaani bajjel, tumani yiɗi nguuron, tumani yiɗii mayon,
tumani wona alla tumani ko annabiijo alla, ko alla tan nelnooɗum yo haal ko halatako)
"إنه آ تمان الفريد , كتبت لكم الحياة والموت سواء
أراد ذلك تمان أم لم يرد , تمان لم يكن إلها وإنما كان نبيا من أنبياء الله يتكلم
على لسانه"
وحيال هذه الأنشودة التي تؤكد أن الشخص المدعو
"تمان- بضم التاء, أو آتمان" لم يكن إلها وإنما كان نبيا, لا يمكن لنا
الجزم بصحته أو عدمه لعدم الدليل الصحيح الصريح على ذلك وإن كان يحتمل دخوله في
قوله تعالى (ومنهم من لم نقصص عليك)
فهذه
الأطروحة وإن أراد أن يجعل من الفلان شعبا عاشت مدى الزمان على الفطرة غير أن
الأدلة على عبادة الشمس أكثر وأوفر كما ستراه في الآتي.
أطروحة عبادة الشمس
يعتمد أصحاب هذا المذهب على ما نقل في الروايات من أن عجائز الفلان كانوا
يؤدون صلواتهم عند طلوع الشمس, يتوجهون نحوها خافضين رؤوسهم مع مد أصبع الخنصر, يرتلون صلاة الحرمات السبع بالصيغة التالية:
(buuɗal
yurmeende fuɗi e bindi Geno, yo jam ñallu ha ɗo cinsinɗima kaaɗi, jawdi e ɓesngu ne
sarii e ladde yo yiiterema reen, amin keddi e fimnde ma min piptata, kala ko jiɗɗa min coottiriɗum biige
e dimaaɗe e ƴiiƴam sagataaɓe, amin keddi e fimnde ma min piptata, min penata, min kulata kowona
alla, min tooñatah, min ngujjata, min njanfotaako, min ngoofatah, min taƴatah enɗam, kala ko daña koho renda, yo
to cinsinɗema kaaɗi.)
(طلعت شمس الرحمة في ملكوت الإله الأزلي, ليستقر
السلام إلى منتهى شعاعك, ولتكن المال والأهل المنتشرة تحت رعايتك وكلئك, فنحن لا
زلنا ولا نزال على عهدك, نفتدي بمرضاتك الأبقار والصافنات الجياد ودماء الشباب ,
نحن على عهدك باقين ولن نخلفه, لا نكذب, لا نخشى سواك, لا نظلم, لا نسرق, لا نخون, لا نعصيك, ولا نقطع
الرحم, كل ما نملكه في محيط شعائك مشترك بيننا"
وعليها ملاحظات:
أولا: يلاحظ أن كاف
الخطاب موجه دائما إلى الشمس وليس إلى رب
الشمس الأزلي (Geno), وهذا أبلغ دليل على أنهم من عباد الشمس على غرار قوم سبأ
(وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله)
ثانيا: ونجد في هذا
الصلاة تعظيم شعاع الشمس لسعتها اللامتناهية في رأيهم
ثالثا: موضوع
الحرمات السبعة الموجودة في أبجديات اللغة الفلانية على اختلاف قبائلها , فلا يزالون
يحلفون بها, ويقولون "haramejam jeeɗiɗi" أي (بحق الحرمات السبعة ) فما هي هذه الحرمات؟ الجواب موجود
في الصلاة السابقة وهي (1-لا نكذب, 2-لا
نخشى سواك, 3-لا نظلم, 4-لا نسرق, 5-لا نخون,
6-لا نعصيك, 7-ولا نقطع الرحم) وهي كما ترى منهيات شرعية في الدين الإسلامي (الكذب , الشرك الظلم, السرقة,
الخيانة, العصيان, قطيعة الرحم ) فهذه القيم الأخلاقية تعد -في السابق- المواثيق
السبعة للفلاتة , ويعتبر لحد الآن في أوساط الفلان في فوتا تورو من الأيمان
المغلظة .
أطروحة عبادة الأصنام واشتقاق الألقاب من الآلهة
وهناك أطروحة تذكر أن أسماء الفلانيين مشتقة من
آلهتهم التي كانوا يعبدونها ف "با" و"بري" و"بالدي"
إشارات إلى آلهة الشمس , فالباء تعني البركة و"ره" تعني الشمس عند
القوصيين , ولقب "صو" إشارة إلى حية كانوا يعبدونها , ومثل ذلك في
"جوب" وهلم جرا . على أن هناك من كانوا يعبدون العجل ويرون أنه أعظم شيء
في وجه البساطة , ولذا يقولون (kaari ko ngaari mawndi)
فلان عجل كبير ....
وأخيرا ما ذكرناه أعلاه من القراءة التاريخانية لا
ينقص شيئا من الهوية الإسلامية العريقة لقبيلة الفلان ودورها المجيد في نشر
الإسلام في ربوع القارة , وهذا وحده مصدر فخر واعتزاز .

