كنت
ولا أزال مقتنعا بأن حلم الاتحاد الإفريقي لا يمكن أن يتحقق إلا بواسطة تجمعات
إقليمية قوية في شرق القارة وغربها ووسطها وشمالها وجنوبها, بحيث تجسد المصالح
الاقتصادية والسياسية والثقافية المشتركة.
وهذه
المؤسسات استطاعت أن تخيم في سماء إفريقيا منذ أن هبت ريح الاستقلال, بفضل تفاني بعض
زعماء الأفارقة. لكننا إذا تأملنا واقع الاتحاد الإفريقي وقارناها بتلك التجارب
الإقليمية منذ فجر الاستقلال سنجدها تعكس ومضات من التركيب الجيوسياسي المتناقض.
وسنحاول في هذه الإطلالة تقديم انموذج "الاتحاد الفيدرالي مالي" (La
fédération du Mal)كمنظومة سياسية إقليمية باءت بالفشل رغم النوايا الحسنة ورغم
الشخصيات المرموقة التي تبنت المشروع.
فيدرالية مالي من البداية إلى النهاية
يذكر
أن الأب الروحي لفكرة اتحاد دول إفريقيا الغربية الفرنسية (AOF) هو الرئيس المالي
الراحل موديبو كيتا, الذي استطاع أن يقنع القادة السياسيين المحليين بأهمية
الاتحاد, فظهر في الساحة الإفريقية الفرنسية من يسمون بالفيدراليين, وتمخض عن تلك الجهود انعقاد مؤتمر الفيدراليين (La
conference des fédéralistes) عام 1958م في
باماكو وتم التوقيع على الاتفاقية.
الدول
الأعضاء
كانت
المبادرة في البداية تضم بعض الدول الفرنكوفونية في غرب إفريقيا, وهي السودان
الفرنسي (جمهورية مالي) والسنغال وفولتا العليا(بوركينا فاسو) وداهومي (بنين) أما
ساحل العاج برئاسة هوفيت بوانيه(Houphouet-Boigny) صاحب الوزن
السياسي والاقتصادي الرهيب في المنطقة فلم
توافق على المشروع منذ البداية وأما غينيا فكان خارج السياق بسبب موقفها الثوري من
الوطن الأم فرنسا. لكن الدول الأربعة تمادت وأعلنت الاتحاد الفيدرالي صبيحة 17
يناير 1959م. لتبدأ معها العد التنازلي للنهاية.
الانفصام
وتحت
وطأة الضغوط الاقتصادية والسياسية من قبل ساحل العاج لم يلبث داهومي (بنين) وفولتا
العليا (بوركينا فاسو) أن انفصلا وأصبحت فيدرالية مالي محصورة بين السودان الفرنسي
والسنغال. وأول مشكلة أثيرت كانت حول من يترأس الفيدرالية, فالسودانيون لم يكونوا
ليقبلوا رئيسا مسيحيا, وأغلب السنغاليين –آنذاك- لم يكونوا يرضون إلا بزعيمهم
المسيحي سنغور, فكان الحل أن يترأس موديبو كيتا الحكومة الفيدرالية, ويترأس سنغور
مجلس الشعب الفيدرالي. وليته كان حلا, لكن
هيهات.
الأزمة
بالرغم
من الجهود المبذولة في سبيل تفعيل التجربة الفيدرالية كانت كل المؤشرات تنذر بتأزم
مبكر, فالقيادي السوداني موديبو وطني حتى النخاع, بينما القيادي السنغالي فرنسي
بما فيه الكفاية, فأي قرار يصدر من أحد الطرفين يكون عادة محل انتقاد واعتراض من
الطرف الآخر. والسبب المباشر لوأد الدولة البكر تتمثل في تعيين موديبو كيتا
للكولونيل سماري (Colonel Soumaré) رئيسا لأركان
الجيش في حين أن الطرف السنغالي يقترح الكولونيل فال (Colonel
Fall),
ما جعل الأخير يرفض المصادقة على القرار, نتجت عن ذلك عزل رأس الحربة وزير الدفاع
السنغالي ممدو جاه. فاتهم الطرف السنغالي نظيره بمحاولة الانقلاب, ومن ثم أعلن
الانفصال عن الفيدرالية في 20 أغسطس 1960م. وعقب تلك الأحداث تدخلت القوات
الفرنسية وألقت القبض على القيادات السودانية قبل إطلاق سراحهم وإرسالهم إلى باماكو ثم تعطيل
السكة الحديدية دكار-باماكو
أسباب
الأزمة
وحسب
الرأي السنغالي فإن ثم عدة أسباب داخلية أدت إلى الانفصام منها:
أولا:
اختلاف الطرفين في الاتجاهات الفكرية
والمدارس السياسية, بين الماركسية العلمية لموديبو كيتا والاشتراكية الديموقراطية
لسنغور وممدو جاه.
ثانيا:استحواذ
السودانيين على المؤسسات السنغالية .
وبالنسبة
للجانب السوداني فالقراءة مختلفة تماما, حيث رأوا أن الأسباب خارجية أكثر مما هي
داخلية
أولا:
أخفقت الفيدرالية لأنها اتخذت مسارا مخالفا للسياسة الفرنسية الديغولية التي كانت
تسعى نحو بلقنة (balcanisation) أفريقيا الفرنسية.
ثانيا:
اتخاذ قرارات جريئة ومواقف سياسية مناهضة لفرنسا, من بينها تأييد حركة التحرير في
الجزائر, والسعي لضرب نقد محلي.
وبغض
النظر عن ما يذكره أولاء أو أولائك فإن القراءة السريعة للأحداث يجعلني أؤكد
الأسباب التالية:
1-
الأنانية
الفردية والأنانية الجماعية, رأينا أن أول مشكلة هي: من يترأس؟ وكيف أن المعركة
بين الزعيمين موديبو كيتا وسنغور تحولت إلى جحيم سياسي بين الحزبين, ثم توتر علاقة
بين الدولتين الشقيقتين.
2-
الأيادي
الخفية لفرنسا,فالجهاز الفرنسي الإفريقي كان يرى من الفيدرالية خطرا محدقا على مصالحه الاقتصادية
والسياسية وهذا ما يفسر تدخلها السافر لخرق القتاد وتوسيع الرقعة على راقعها. بل
لقد كان الاتحاد الفيدرالي محل سخرية عند الرئيس الفرنسي الذي كان كثيرا ما يردد:
(La république du Soudan, je connais ; la république du Sénégal, je connais, la Fédération du Mali, je ne connais pas)
(La république du Soudan, je connais ; la république du Sénégal, je connais, la Fédération du Mali, je ne connais pas)
3-
ضبابية
الرؤية وعدم وضوح السياسة المرسومة,فالحقيقة أن الطرفين مختلفين في تصورهما
للاتحاد الفيدرالي, ففريق يرى دولة واحدة متلاحمة, وآخر دولتين متحدتين مع احتفاظ
كل واحدة بسيادتها الوطنية. ولذا فبدلا من أن تكون دولة فيدرالية كانت اتحادا فيدراليا تتجاذبه أنياب الحكومة و مخالب
المجلس الشعبي في ظل غياب منظومة سياسية محكمة البنيان
دروس
والعبر
بعد
كل ما ذكرنا يحق لنا أن نتساءل هل يتصور أن يعيد التاريخ نفسه؟ وهل لهذا الأزمات
الإقليمية أبعاد على وحدة أفريقيا؟
دون
المجازفة في تحليلات سياسية لا أتقنها يجوز لي بكل اطمئنان إثبات الحقائق التالية:
أولا:
إن قوة الاتحاد الإفريقي مرهونة بمتانة المؤسسات الإقليمية, فالدول المتاخمة في
الحدود, المشتركة في الثروات المائية والمعدنية إذا لم تتعاون في حل مشاكلها
السياسية والاقتصادية ولم توطد للاتحاد, فلن يملك مؤتمرات أديس أبابا حلا سحريا للوحدة
الإفريقية.
ثانيا:
ما لم تستقل الدول الإفريقية اقتصاديا, فإنها ستظل عاجزة عن تقرير مصيرها في ظل
النظام العالمي الجديد, لأن من لا يملك قوت يومه أحرى أن يفقد كلمته وكرامته.
ثالثا:
في رأيي أن اختلاف الاتجاهات الفكرية والسياسية –وإن تمكنت من ذلك- لا ينبغي أن
يشكل حجر عثرة أمام الوحدة الإفريقية, فالتحديات الكبيرة والمصالح الاقتصادية
والثقافية المشتركة والحاجة إلى الاتحاد كل ذلك لا يسمح بالتفرج وتبادل التهم
والانطواء خلف نظريات ايدولوجية لا تقدم ولا تؤخر إن لم يصحبها ترجمة عملية.
فالمتحدون لم يتفقوا في كل شيء كما أن المختلفون لم يتناحروا في كل شيء. فإلى متى
الوعي ؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق