ذات مساء التقى الرجلان بعد فراق طويل دام سنوات،
كان أحدهما قد أشرق في طلب العلم والآخر شمأل في بلاد متاخم لوطنه.
الوسطي: طال العهد بيننا يا صاح ، لقد اختلست
الأيام والشهور عبق التواصل بيننا, فلم أسمع عنك لا خبرا ولا أمرا.
السلفي: هو كذلك، مع أنني كنت أتابعك ساعة بساعة
عبر المواقع الاجتماعية، دائما ما أقرأ خواطرك فلربما سررت بها وربما لا (يبتسم),
وأحيانا يراودني قلبي على مراجعتك في بعض ما تنشر فأتجاهل، تجنبا للجدال والمراء ولعلني
أحظى ببيت في ربض الجنة.
الوسطي: يا إلهي، لم أشعر بوجودك معنا في تلك
المنتديات فمن تكون؟
السلفي: أنا موجود باسم مستعار و....
الوسطي يقاطعه : أنت ذاك أبو عبد الله السلفي
السلفي: نعم أنا ذاك
الوسطي: هههه ولم هذا الاسم يا أخي؟
السلفي: يا أخي انما أتكنى اتباعا للسنة.
الوسطي: طيب
ومن أين لك السلفي؟
السلفي مستغربا: أو مثلك يسأل عن هذا ! السلفية هي الالتزام
بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه علما وعملا، وهي تسمية شرعية أصيلة فقد
قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة: "نعم السلف أنا لك" ونحن على منهج
السلف الصالح من الصحابة والتابعين، ننابذ أهل الأهواء وننافحهم بالصحيح الثابت من
السنة. فهي باختصار كلمة حق لا يستطيع أي مسلم أن يجادل فيه بعد أن تتبين له
الحقيقة.
فهل بعد هذا تسألني عن السلفية وكأنك تنكر علي, أو
لست سلفيا؟
الوسطي –مترددًا-: نعم.. بلى... بلى.. ربما أنا
أيضا على ما أنت عليه وإن كنت أتحفظ على التسمية، فأنا على الوسطية الحنيفية وأفضل
أن أكون وسطيا وهذا يكفي
السلفي: معاذ الله! أخبرني -وقاك الله داء الكلام- عن
هذه الوسطية التي تتغنى بها؟
الوسطي: إنها المنهج الأصيل والطريق الأسلم، والوصف
الجميل، والمفهوم الجامع لمعاني العدل والخير والاستقامة ،فهي حق بين باطلين
واعتدال بين تطرفين وعدل بين ظلمين. وهي تحر متواصل للصواب في التوجهات
والاختيارات. فهي -يا صاح- وسطية في العقيدة وسطية في الشرائع ووسطية في الشعائر,
فالصحابة رضوان الله عنهم أوسط هذه الأمة ونحن على خطاهم سائرون
السلفي مقاطعا بعد أن نفذ صبره: كفى!.. دع عنك هذا الكلام
وقل لي: هل لك سلف في هذه التسمية؟
الوسطي: بلى, لدي سلف في ذلك وهو القرآن الكريم، اقرأ
معي أوسط آية من سورة البقرة, في قوله
تعالى:" وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس" فكلمة الوسطية شرعية أصيلة.
ثم انطلق الوسطي يشرح الآية بأسلوب بليغ ميال
للإنشاء والفلسفة، الأمر الذي ألقى الملل في أذن صاحبه السلفي حيث ظل هذا الأخير يلقي
السمع ولكنه غير شهيد.
وبينما هما كذلك في وسط ذلك الحي الغريب, إذ رُفِع
أذان المغرب فتسارعا إلى المسجد لأداء الفريضة.
وفي ذاك المسجد يوجد الكثيرمن الشباب والقليل من
الشيوخ, تقدم من بينهم شيخ طاعن في السن، ذو لحية خفيفة مخضبة, على عاتقه غترة بيضاء
جذبها من إحدى زوايا المنبر.
قرأ الامام الفاتحة برواية ورش، ثم أتبعها بتلاوة
منمقة لآخر آية من سورة الحج : (وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم
هو سماكم المسلمين من قبل .... )الآية. قرأها كما لو نزلت غضا من السماء وهكذا في
كل الصلاة إلى أن انصرف عنها. وبينا الصاحبان في الباقيات الصالحات همس المؤذن في
أذنيهما قائلا:
- أرجوا
أن تؤخرا قليلا كي نفرش صفرة الشهدائيين
- صفرة
ماذا؟ يسأل الوسطي
- أقول صفرة الشهدائيين، أراكما من غرباء الحي, ولعلمكما إنا
جماعة نسكن بحي يكثر فيه الأشاعرة والمتكلمين، فأنشأنا جماعة الشهدائيين اقتفاء بسنة
المصطفى وأصحابه.
وقف الشابان مستغربان مِن هذا الرجل الذي يسترسل في
الكلام ويفرش الصفرة ينثر فيها التمرة والمكعبات, غير آبه بهما وبتجاعيد وجهيهما
التي تفاعلت مع كلمة : الشهدائيون!!!!!
- طيب
ولماذا الشهدائيين؟ يسأل الوسطي
- وهل
لكم سلف في هذه التسمية؟ يستفسر السلفي
- عجبا لكما أيها الغريبان, أجاب المؤذن, كنت
أحسبكما عالمين لما رأيت من سَمْتِكما لكنما تسألان أسئلة الجهلاء. أو ما سمعتما الإمام
آنفا يقرأ: )وفي
هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس" أو لم تقرءا في أوسط
آية من سورة البقرة : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس" أتباع
النبي صلى الله عليه وسلم هم شهداء الله على خلقه ، نحن الشهدائيون.... إنها تسمية
شرعية أصيلة.....
يخرج الصاحبان دونما كلمة, ويتواعدان اللقاء ومواصلة
النقاش عبر الموقع الاجتماعي.....
السلام على أستاذنا العالم الأديب الألمعي ابن أستاذنا العالم الأديب الأمعي السيد محمد الأمين بن السيد محمد الغالي عاج حفظكم الله وأيدكم بنصره ورزقكم من طيبات الدنيا واآخرة. آمين.
ردحذفأيا هـــايري لاوي نجل أستاذنا الـــــغــــالي....عــلــيــك سلام مـن أخ ســنـــغـــالي.
كم هذا النقاش رائع جدا، وممتع ومضحك في آن واحد، وهذا بعينه هو إسلامنا اليوم، وكأننا قد نبذنا الإسم الحقيقي - الإسلام - الذي سمانا به سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا محمد أفضل الصلاة والسلام. إلى أسماء قد لا يراد بها إلا لتمييز الذات وأسلوب الدعوة والسلوك عن غيرهم من المسلمين، وهذا الحوار الهادئ المضحك الممتع يشير إشارة واضحة أن السلفي هذا والوسطي هذا والشاهدي هذا كلهم ينتمون إلى دين واحد والدليل على ذلك أنهم اجتمعوا لأداء واجب واحد لإمام واحد وقراءة واحدة وقبلة واحدة ورجاء واحد ومرجو واحد أحد صمد فرد ليس كمثله شيء وهو الخالق البارء المحيي المميت لا شريك له في ملكه ولا ند له في أفعاله ولا مماثل له في صفاته ولا نظير له في ذاته فسبحانه سبحانه عن شريك.
إنما الرزية كل الرزية في حصر الصواب والإسلام لديك أنت فقط وغيرك ضال مبتدع ولو كان من أعلم الناس وأفضلهم، وذلك حقاما نراه اليوم من صوفية وسلفية وإخواني وتبليغي وأنصاري وإزالي وأشاعرة إلى آخر ما هنالك من أسماء جماعات مسلمة مؤمنة بالله لكن ...........
شكرًا على المرور والتعليق الأنيق، دمت طيب الخاطرة
حذف