يذكر علماء الأصول أن
عموم البـلوى هو ما تمس الحاجة إليه في عموم الأحوال,
وتستعمل عادة للدلالة على حالة استثنائية يستباح فيه ما تركه أولى من فعله, وهذا المصطلح على بساطته إلا أنه يحتوي على
مدلول فقهي عميق يجسد الواقع المعاش. وذلك أننا إذا تأملنا الجانب اللغوي لهذا
المصطلح نجده يعني –حرفيا- "شمول المحنة".
ونحن
في المرحلة الحالية –مرحلة الغثائية- نلاحظ أن الواقع الإسلامي تتجاذبه حالات توحي
بالإكراه منه أكثر إلى الخيار!. بعبارة أخرى: الأمة الإسلامية في إفرازاتها
الفكرية المعاصرة تعيش حالة من "الامتحان أو الإختبار الشامل".
ويتضح
ذلك بالصور التالية:
فاستعمال مصطلح الرأي والرأي
الآخر, نحن والآخر, المسلمون وغير المسلمين-مثلا- يجسد الخناق وربما الحرج الذي يشعر به الكتاب
والمفكرون من تحفظهم بالمصطلحات الشرعية الأصيلة نحو: الكفار والمشركون والمجوس
وأهل الكتاب وو.
وعلى صعيد الأفراد نجد قضايا
مثل : مسألة إرث المسلم من الكافر, وميراث ولد الزنا, وقضايا المرأة من توظيفها
وولايتها. وكذا جميع ما يتصل بفقه الأقليات المسلمة, (ولاحظ أن مصطلح الأقلية أصبح
منطبقا على كثير من الأغلبيات في زمن الوهن والغثائية) نتلمس في طرحها عامل
"الإكراه".
وعلى مستوى الجماعات نلاحظ العهود
والمواثيق الدولية التي قد لا تستجيب لمطالب المسلمين وترفض تقسيم العالم إلى
دارين, ومسألة اللجوء السياسي إلى بلدان غير المسلمين. كما نلاحظ طغيان روح الدفاع
في خطاب الدعاة والمصلحين ("ليس هذا هو إسلاما" بدلا من "هذا هو
الإسلام".
والأمثلة على الإكراهات التي
تحدق بالأمة في هذا الزمان لا تكاد تحصى.
فهل للاختبار الشامل (عموم
البلوى) انعكاسات وأبعاد على مسار الفقه الإسلامي في صورته المعاصرة؟
الجواب
بكل أريحية هو نعم.
فمثلا
: هناك من يقول أن جهاد الطلب كان في وقت لا توجد فيه معاهدات دولية ولا حدود إلا تلك الثابتة بقوة السلاح أو بعد المسافة ولم تكن فيه إمكانية إيصال الدعوة لأكثر الأقاليم دون إسناد حربي، ولم تكن فيه أسلحة نووية فتاكة يمكن أن تقضي على الجنس البشر, ولا أنواع الأسلحة النارية التي تدمر شعوباً بأسرها وتشردها.
أما الواقع اليوم، ففيه كل هذا، فهو مختلفٌ عن الواقع القديم. فالكلي حينئذ يحكم على الجزئي وذلك دون مناقشة أصل وجوب جهاد الطلب فلايتسع له الخواطر.
ففي
هذا المثال –على فرض صحته- نجد أثر الامتحان الشامل الذي يمر به الدار الإسلامي
وهو
واحد من أسباب اتجاه الفقهاء والأصوليين المعاصرين نحو التنظير للفقه الواقعي
والفقه التوقعي مع استعمال مختلف الأدوات الاجتهادية متمثلة في الرأي المقاصدي
الذي بدأ يشق طريقه بقوة الصاروخ وفي الرأي الظاهري الفقهي الذي يعتمد على قراءة الشرع
المنزل أو المؤول.
ولذا وذاك جاز لي القول بأنه يتحتم
على الباحثين وطلبة العلم تحمل مسئولية (وضع خطا تحت الكلمتين) أداء الأمانة في توظيف
المقاصد الشرعية المرعية (القصد القصد تبلغوا, , إعمال الرخص كالعزائم, فقه
المآلات, التيسبر والتخفيف ورفع الحرج على الأمة ..وغيرها)
توظيفها توظيفا آمنا في إطار من الفقه والواقعية والموضوعية دون حيف في
الميزان أو بخس في الحقوق.


