الثلاثاء، 14 مايو 2013

خاطرة : عصر الإكراهات


يذكر علماء الأصول أن عموم البـلوى هو ما تمس الحاجة إليه في عموم الأحوال, وتستعمل عادة للدلالة على حالة استثنائية يستباح فيه ما تركه أولى من فعله,  وهذا المصطلح على بساطته إلا أنه يحتوي على مدلول فقهي عميق يجسد الواقع المعاش. وذلك أننا إذا تأملنا الجانب اللغوي لهذا المصطلح نجده يعني –حرفيا- "شمول المحنة".
ونحن في المرحلة الحالية –مرحلة الغثائية- نلاحظ أن الواقع الإسلامي تتجاذبه حالات توحي بالإكراه منه أكثر إلى الخيار!. بعبارة أخرى: الأمة الإسلامية في إفرازاتها الفكرية المعاصرة تعيش حالة من "الامتحان أو الإختبار الشامل".
ويتضح ذلك بالصور التالية:
فاستعمال مصطلح الرأي والرأي الآخر, نحن والآخر, المسلمون وغير المسلمين-مثلا-  يجسد الخناق وربما الحرج الذي يشعر به الكتاب والمفكرون من تحفظهم بالمصطلحات الشرعية الأصيلة نحو: الكفار والمشركون والمجوس وأهل الكتاب وو.
وعلى صعيد الأفراد نجد قضايا مثل : مسألة إرث المسلم من الكافر, وميراث ولد الزنا, وقضايا المرأة من توظيفها وولايتها. وكذا جميع ما يتصل بفقه الأقليات المسلمة, (ولاحظ أن مصطلح الأقلية أصبح منطبقا على كثير من الأغلبيات في زمن الوهن والغثائية) نتلمس في طرحها عامل "الإكراه".
وعلى مستوى الجماعات نلاحظ العهود والمواثيق الدولية التي قد لا تستجيب لمطالب المسلمين وترفض تقسيم العالم إلى دارين, ومسألة اللجوء السياسي إلى بلدان غير المسلمين. كما نلاحظ طغيان روح الدفاع في خطاب الدعاة والمصلحين ("ليس هذا هو إسلاما" بدلا من "هذا هو الإسلام".
والأمثلة على الإكراهات التي تحدق بالأمة في هذا الزمان لا تكاد تحصى.
فهل للاختبار الشامل (عموم البلوى) انعكاسات وأبعاد على مسار الفقه الإسلامي في صورته المعاصرة؟
الجواب بكل أريحية هو نعم.  
فمثلا : هناك من يقول أن جهاد الطلب كان في وقت لا توجد فيه معاهدات دولية ولا حدود إلا تلك الثابتة بقوة السلاح أو بعد المسافة ولم  تكن فيه إمكانية إيصال الدعوة لأكثر الأقاليم دون إسناد حربي، ولم  تكن فيه أسلحة نووية فتاكة يمكن أن تقضي على الجنس البشر, ولا أنواع الأسلحة النارية التي  تدمر شعوباً بأسرها وتشردها.
أما الواقع اليوم، ففيه كل هذا، فهو مختلفٌ عن الواقع القديم. فالكلي حينئذ يحكم على الجزئي وذلك دون مناقشة أصل وجوب جهاد الطلب فلايتسع له الخواطر.
ففي هذا المثال –على فرض صحته- نجد أثر الامتحان الشامل الذي يمر به الدار الإسلامي
وهو واحد من أسباب اتجاه الفقهاء والأصوليين المعاصرين نحو التنظير للفقه الواقعي والفقه التوقعي مع استعمال مختلف الأدوات الاجتهادية متمثلة في الرأي المقاصدي الذي بدأ يشق طريقه بقوة الصاروخ وفي الرأي الظاهري الفقهي الذي يعتمد على قراءة الشرع المنزل أو المؤول.
ولذا وذاك جاز لي القول بأنه يتحتم على الباحثين وطلبة العلم تحمل مسئولية (وضع خطا تحت الكلمتين) أداء الأمانة في توظيف المقاصد الشرعية المرعية (القصد القصد تبلغوا, , إعمال الرخص كالعزائم, فقه المآلات, التيسبر والتخفيف ورفع الحرج على الأمة  ..وغيرها)  توظيفها توظيفا آمنا في إطار من الفقه والواقعية والموضوعية دون حيف في الميزان أو بخس في الحقوق.

السياسة في السنغال بين العلمانيين والمشيخة الصوفية والإسلاميين


يعتقد أن 95% من سكان السنغال يدينون بالإسلام, وهذا أمر غير منكور, كما يعتقد أن الصوفية هي العقيدة السائدة في المجتمع السنغالي, وهذا الأخير كسالفه ليس بمنكور إذا نظرنا إلى الظروف التي دخلت فيها الإسلام في السنغال وإلى دور المشايخ في نشره.
ومع  ذلك نجد أن التاريخ السياسي  منذ فجر الاستقلال  لم يعرف سوى لونا واحدا من السياسيين الناشطين وهم العلمانيون على اختلاف أطيافهم ومشاربهم من اليمينيين واليساريين. لكن الأمر الذي يثير الدهشة هو مداراة رجال الدين للزعماء السياسيين وتقلبهم حسب اللون السائد, وهذه العلاقة التاريخية بين الطرفين أدى إلى تشكيل مفهوم علماني مختلف عما يريده السيد الفرنسي. إضافة إلى التحرك الإسلامي الضعيف التي بدأت ترسم معالمها في الآفاق 
وقد أدى تداخل تلك الوشائج إلى تشكيل علاقة ثلاثية الأبعاد بين الأطراف الثلاثة, نلقي الضوء عليها في السطور التالية:
أولا: علاقة السياسيين بالمشيخة
وفقا للسنن السياسية الميكيافيلية التقليدية , فإن الرجل السياسي يلهث دائما وراء مصلحته على حساب القيم والمبادئ السليمة.  والسياسي السنغالي ليس استثناء من هذه القاعدة لذا تجده لا يتردد في ادعاء الانتماء إلى طريقة من الطرق الصوفية السائدة بحثا عن الناخبين والمؤيدين, وكذا خطب ود المنتسبين لتلك الطريقة.
 ومن المعلوم تاريخيا في السنغال أن لزعماء الطرق الصوفية نفوذا غير طبيعي على أتباعهم وتلامذتهم, وأنهم قادرون على التأثير في الانتخابات من خلال إعطاء الأمر بالترشيح لصالح أحد المرشحين, "الأمر" الذي يلقى قبولا لدى الأتباع بناء على المنطق الصوفي الذي يلزم التلميذ  طاعة أمر الشيخ وحرمة مخالفته.
يلاحظ أن العلاقة بين الطرفين -حسبما يبدوا- قائمة على المصالح المتبادلة تتمثل في توفير الناخبين من جهة المشيخة, وتقديم الدعم المادي والمعنوي من جهة الساسة.
والجدير بالذكر أن الضحية في هذه اللعبة هو الشعب العزل الذي يعاني من غلاء المعيشة وشح الموارد الاقتصادية.
ولهشاشة القواعد الشعبية للرئيس المخلوع عبد الله واد, وقلة حظوظه لدى الجمهور فإنه ركز في حملته الانتخابية في الجولة الثانية على الأسر الدينية والزعماء الصوفية بحثا عن "أمر للأتباع بالتصويت لصالحه" وهذا الذي يفسر تدهور الأوضاع الدينية الطائفية حاليا في إطار التداعيات السياسية.
ثانيا: علاقة المشيخة بالإسلاميين
أقصد بالإسلاميين أولئك الذين يحاولون –ولو نسبيا- تقديم المشروع الإسلامي كبديل عن المشروع العلماني التقليدي السائد. ويدخل في ثنايا هذه الطائفة ثلة كبيرة من المثقفين باللغة العربية وجملة أقل بكثير من حاملي الثقافة الفرنسية وأفذاذ ممن ينتمون إلى الأسر الدينية. وتتمحور نشاطاتهم حول المجال التعليمي والدعوي, و من أبرز الجماعات الحركية المعروفة حركة جماعة عباد الرحمن التي لم تكشف لحد الآن عن وجهه السياسي, وثم حزب وحيد ذات اتجاه إسلامي هو MRDS  أي حركة الإصلاح والعدالة الاجتماعية.
وإذا تقرر ذلك, فالمعروف أن التيار الإسلامي محسوب على السنة, والتيار الصوفي بطبيعة الحال باق على تصوفه , فكان من الطبيعي أن تكون العلاقات متوترة بين الطرفين, تميل إلى الحذر والتحفظ أكثر منه إلى التصافح والتلاقح, ويعتبر هذا الواقع أكبر تحد أمام الحركة الإسلامية والإسلاميين. وهو أساس الموضوع الجدلي الدائر بين الحركيين ( السياسة) والتربويين التصفويين (التربية والتصفية). وما دامت العلاقات على النحو الذي ذكرنا فسيظل الإسلاميون في وضع لا ينبئ بأي صعود سياسي كنظرائهم في العالم الإسلامي (والحديث ذو شجون ليس هو الهدف من هذا المقال) 
علاقة الإسلاميين بأصحاب النفوذ السياسية العلمانيين
الاختلاف الفلسفي بين الطرفين كفيل بتحديد طبيعة تلك العلاقة, فالمشروع العلماني لا يقبل التفاوض مع الإسلام وينظر إلى حامليه بعين الازدراء والاستخفاف, وكثيرا ما يخلطون بين أولئك الإسلاميين وبين أرباب الكتاتيب التقليدية تكوينا وثقافة.
وخير شاهد على ذلك أن المثقف (المستعرب) في السنغال لم يتم الاعتراف بكفاءته الفكرية والثقافية رسميا  إلا في أواخر الثمانينات في حين كان قبل ذلك محسوبا في عداد الأميين.
ولعل الطرف الآخر –بل أكاد أجزم بذلك- لديه قصور في قراءته للواقع السنغالي وسبل التعاطي معه.
لكن, وبالرغم من العوائق المذكورة, ومن البيئة الاجتماعية المناوئة, إلا أن ثم حركات جادة وإن كانت بطيئة, وخطوات سديدة وإن كانت تخط على استحياء تبشر بمستقبل واعد للإسلام.
 غير أن هذا الصعود الإسلامي في البلاد مرهون بحجم  فاعلية الصوت الإسلامي في تعبئة الرأي العام بالمشروع الإسلامي, وبضرورة مراجعة خريطة التعاون مع المشيخة الصوفية. والحديث ذو شجون.

الجمعة، 1 يونيو 2012

أزمة التعليم العربي في السنغال- قراءة من الداخل


إن مما دفعني إلى الكتابة حول هذا الموضوع هو ما يعيشه المثقف العربي في السنغال في الآونة الأخيرة من أزمات اجتماعية ومؤامرات سياسية وحملات استفزازية ضد اللغة العربية وضد من اختاروه منذ نعومة أظفارهم, أوقع الكثير من مثقفي هذه اللغة في حيرة وكأنهم أمام طريق مسدود. تأملت هذا الواقع المهين فساقني إلى جملة من التساؤلات حول ماضي اللغة العربية وحاضرها ومستقبلها في السنغال, سوف نحللها في السطور التالية.
لمحة موجزة عن تاريخ التعليم العربي في السنغال
إن من نافلة القول أن نذكر بأصالة اللغة العربية في القطر السنغالي, ذالك أن الكتابات حول هذا الموضوع قد قتلت بحثا.كما أنها تنجلي لكل ذي عينين, فاللغة العربية لغة الإسلام , دخلت السنغال مع دخول الإسلام منذ القرن الحادي عشر الميلادي, فكانت وسيلة لرفع الجهل عن الشعب وترشيدهم في دينهم ودنياهم, حتى تبوأت مكانا مرموقا وصارت مقياسا للفضل والعقلانية, من أتقنها فهو النحرير الفاضل, ومن ليس كذالك فهو الغبي الجاهل, وكان ذالك بسبب عدة عوامل, أهمها:

1- إتصال اللغة العربية بالدين اتصال القلب بالقالب, فهي لغة القرءان , ولغة المعلم الأول, ولايفهم الدين إلا بها.
2- جهود العلماء الجبارة في نشر هذا الدين عن طريق تكوين الكتاتيب والمجالس العلمية التي تعنى بتدريس جميع فنون اللغة العربية باعتبارها الوسيلة المثلى لفهم القرءان.
3- كون تلك اللغة مسايرة لعصرهم ومستجيبة لمتطلباتهم, فكانوا يعبرون بها عن آرائهم وآمالهم وأحلامهم وآلامهم. دونوا بها التراثو وخاطبوا بها الرجل المحتل, وهم في ذالك مطمئنين لجدارتها محتفين بأصالتها.

منعطف تاريخي

عند ما تمكن الاحتلال في أرض القوم شن حربا ضروسا على الإسلام وعلى اللغة العربية, فجاء تلكم القرارات متتالية لتقليص نشاط هذه اللغة من جهة إقصاء المعلمين, وإلزام اللغة الفرنسية على المدارس , فكان تلك المرحلة نذير تحول في سير اللغة العربية وظهور مايسمى بالمدارس العصرية.
المدارس العصرية- الجذور والواقع
في القرار الصادر بتاريخ 22 مايو 1857م , واشتهر بقرار فيدربه, بخصوص المدارس العربية الإسلامية جاء فيه مايلي: لفتح أي مدرسة إسلامية لابد لصاحبه من الحصول على رخصة ويتطلب ذالك مايلي:
1- أن يكون الشخص من سكان مدينة سان لويس أو مقيما فيها منذ زمن بعيد.
2- أن يجتاز المقابلة الشخصية لدى لجنة التحكيم المكونة من والي المدينة, وشخصين من إدارة الإستعمار ومواطن يجيد اللغتين العربية والفرنسية.
3- أن يكون حاصلا على شهادة حسن السيرة والسلوك مقدم من لدن الحاكم.

وبالنظرة الفاحصة حول هذه القيود يتبين لنا النوايا المكشوفة التي يرنوا إليها المستعمر ,وهي: نشر اللغة الفرنسية, وتقليص الحركة التعليمية الإسلامية والحط من قيمتها, إضافة إلى محاولة فصل الشعب عن ماضيه, وإنشاء جيل جديد للمجتمع على نمط  يخدم مصالح المحتل.
ولئن كان تلكم الخطوات المرجفة قد قوبل في الوهلة الأولى بنوع من الثبات والتحدي, بيد أنه لم يلبث أن خارت القوى وتمزقت شملة الشيوخ, فاعتزلوا في الخلاوى والزوايا بعيدا عن المناطق الإدارية. فتمكن المستعمر من إحكام سيطرته, وإملاء قوانينه, فوقعت الطامة الكبرى.
وفي محيط هذه التداعيات ظهر مايسمى بالمدارس العصرية والتي لم تكن في الواقع سوى مؤسسات تعليمية استعمارية بقيت سائدة في المناطق الإدارية لحقبة من الزمن. وفي منتصف القرن العشرين حدثت انتفاضة مباركة من أبناء الدارات التقليدية, حيث توجهوا في البلاد العربية شرقها وغربها, نتجت عن هذه الحركة انتعاش جديد للتعليم العربي, وظهرت المدارس العربية في ثوبها الحالي , شاركت في تكوين شخصيات نادرة ساهموا في نهضة البلاد. غير أنه قد لاح في الأفق وعلى مدى السنوات تناقضات حادة في محيط تلك المدارس, انعكست سلبيا على رواد هذه المؤسسات ومرتاديها.
ذالك أن مؤسساتنا التعليمية كانت -ولا تزال- تؤسس بعيدا عن المعايير العلمية. أجل, نحن لا ننكر أن أغلبها بالكاد أنشئت  على نوايا شريفة, وتحت ظروف استثنائية, إلا أن ذالك لا يكفي لتخريج أجيال قادرة على مواجهة التحديات ودفع عجلة التقدم لمجتمعاتها. فالواقع أننا نجد أن التلميذ يتخرج في هذه المدارس ويحمل شهادة ليس لها أي قيمة علمية مما يدفع هذا الأخير إلى الجحود بدل الوفاء والنكران بدل العرفان. وسبب ذالك في رأيي يرجع إلى عدة أمور منها:

1- تناقض المناهج: إذ أن لكل مؤسسة مرجعية خاصة في استقاء مناهجها الدراسية, فهذه المدرسة تتبنى مناهج أزهرية, وتلك مناهج مغربية, والأخرى مناهج سعودية, والأسوأمن يجمع بين مناهج مختلفة الهدف والمضمون في مؤسسة واحدة, ويبقى الخاسر الوحيد هم االتلاميذ, أعني الجيل القادم.
2- قصور في المحتوى: مع أن تلكم المناهج متناقضة, فهي في الوقت نفسه قاصرة , لا تحتوي إلا على جزء بسيط من المعارف , فهي دراسية أدبية بحتة, ولم تعر اهتماما للجانب العلمي مع بروز الحاجة إليه. والأدهى والأمر أنها في احتفائها بالجانب الأدبي تهمل إلى حد بعيد اللغة الفرنسية, في حين نطمئن جميعا إلى أهميتها في الساحة.
3- المثالية الإدارية: مؤسساتنا التعليمية العربية أنشأتها أفراد, وكل فرد يرى من الآخر منافسا إن لم يكن عدوا, فكل يسعى لاحتواء مؤسسته وصبغها بطريقته الخاصة  تحت وطأة قانون  الملكية الشخصية.

الحلول والمقترحات

إن على السادة المستعربين رواد المؤسسات التعليمية استشعار المسؤولية أمام الله , ثم أمام هذا الشعب المسلم, والتيقن بأنها أمانة تحاسبهم عليها الأجيال القادمة. ويمكن رتق الفتق وتقليص الأخطاء وإصلاح تلكم المؤسسات إذا أخذنا بعين الإعتبار الآتي:
1- اعمال قاعدة " نجتمع فيما اتفقنا عليه, ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه" فبالرغم من اختلاف الوجهات الفكرية والخلفيات الثقافية تبقى أسس التعليم بشقيه الأدبي والعلمي ثابتة لاتتغير مهما اختلفت اللغات والأهداف والغايات.
2- توحيد المناهج, ولا يعني ذالك التطابق الحرفي لجميع المناهج في المدارس العربية. بل المقصود هو وضع منهج خاص -أدبي علمي- تجرى عليها اختبارات عامة, تصدر على غرارها شهادة موحدة معترفة بها لدى الحكومة, تكون لها نفس قيمة الشهادات الفرنسية. حيث يتم تدريس محتوى تلك المناهج في المدارس العربية, ولكل مدرسة مافاض من الوقت لخدمة مصالحها الخاصة. وينبغي التنويه في هذا المقام بالمساعي الطيبة والجهود المضنية التي قامت بها وزارة التربية في الآونة الأخيرة من مشروع يصب في هذا الإتجاه. غير أنه لم يتم التجاوب معه بالشكل المطلوب.
وإذا علمنا تداعيات تلكم المناهج المختلفة على مستقبل اللغة العربية والمستعربين جاز لنا هذا الإقتراح الأخير وهو: اتخاذ سياسات صارمة من قبل الحكومة للحد من هذه الفوضوية , وفقا للمثل العربي " أعط أخاك تمرة, فإن لم يقبل فأعطه جمرة" , ويتم ذالك عبر البروتوكولات التالية:

التوقف من التوزيع العشوائي لرخصة افتتاح مدرسة عربية, فما لا يمكن تداركه في الماضي, يمكن تفاديه في المستقبل. إذ أن المدارس العربية المرخصة لها في السنغال تعد بالمئات, والكثير منها وهمي لا واقع له. ولا ننسى قصة ذالك الرجل المستعرب الذي حصل على منحة في إحدى الجامعات الألمانية بعد أن قدم ملفا كاملا صودق عليه من من قبل الوزارتين- التربية والخارجية-, لاكن لما اتصل مسؤولو تلك الجامعة بسلطاتنا تبين أن الملف مزيف, وأن لا وجود لتلك المؤسسة على الإطلاق. 
مراجعة معايير التصديق لدى أجهزة الدولة للحيلولة دون العبث بها. إذ أننا نعلم أن الكل يملك جهازا في مدرسته, وفي وسعه إصدار شهادة بأجمل صيغة, وأرقى تصميم, مما يؤكد انعدام المصداقية في مؤسساتنا. وعليه فلا يطمئن القلب أبدا في الشهادات العربية المحلية.
وأخيرا, لنقف وقفة تأمل مع قول الباري جل وعلا: " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" فالتغيير إذا يبدأ من الداخل.
 قال الشاعر
      نعيب زماننا والعيب فينا        وليس لزماننا عيب سوانا
      ونهجوا ذا الزمان بغير عيب       ولو نطق الزمان لنا هجانا

الثلاثاء، 10 أبريل 2012

الحريات.... والحرية عند القرضاوي



لم يكن بودي أن أعود لهذا الموضوع بعد أن كثر فيه الأخذ والرد إلى حد التطاول على الأشخاص قبل التأمل فيما يقال. وكنت أظن أن ما ذكر هنا وهناك من الآراء المعتدلة في كشف جزء من هذه البلبلة الفكرية كاف في حسم الخلاف,  غير أني عند ما رأيت الأمر يتخذ مسارا آخر غير الذي كان الهدف شعرت بحتمية التعليق ولعله الأخير إن شاء الله حول الموضوع, وسيكون ذلك من زاويتين:
الزاوية الأولى: حول مصطلح الحرية
فالحرية -إذا تعرت عن الهوى- تعد قيمة من القيم الانسانية التي لا يستقيم حياة العبد إلا بها, يذكر العالم المقاصدي الطاهر بن عاشور رحمه الله أن هناك أربعة مفاهيم أساسية تكون المحور الذي تدور عليه عقائد الإسلام وتعاليمه وتشريعاته, وهي: الفطرة   والسماحة   والحرية   والحق.
والسؤال الوارد هو عن أية حرية نتحدث؟ وهنا يأتي أهمية توجيه النصوص والأقوال وتفسيرها وفق الميزان الأصولي الذي يراعي العناصر الخمسة: النص (القول), الزمان, المكان, الشخص, الحدث.
 فالكثير يتحدث عن الحرية, ولكنها تختلف من شخص لآخر ومن بيئة لأخرى, فعندما يتكلم الرئيس الفرنسي-مثلا- عن الحريات إنما يريد التحرر عن القيود الدينية وخاصة الإسلامية مع التزام مبادئ الجمهورية الفرنسية, وعندما يتحدث المعارض الصيني دَلاَيلاَما عن الحرية, فإنما يتحدث عن التفلت من قمع الحكومة الصينية واستلابه على أراضي التيبيت. وعندما يتحدث الطفل عن الحرية ويترنح بها فإنما يشتكي من تسلط أبويه, وهكذا تتلون الحرية وتتقمص حسب الأشخاص والأزمنة والأماكن والبيئات. وهكذا أصبحت آلة تستعمل في حالات كثيرة كمفتاح للشر وفي قليل من الأحيان كمفتاح للخير, ولذا عندما تأمل أحدهم قيمة الحرية تأوه قائلا: (يا لها من جرائم ترتكب باسمك أيتها الحرية)
 (O liberté; que de crimes on commet en ton nom)
غير أن الحديث هنا ليس منصبا حول مفهوم الحرية بقدر ما يعني التنبه للبعد الفلسفي لهذا المصطلح
والسؤال الوارد هو ما مغزى كلام القرضاوي؟
يقول القرضاوي مؤكدا غير متسائل: (أفضّل وأوثر تحقيق الحرية على مجرد تطبيق الشريعة, لأني أرى أن تحقيق الحرية شرطا لتطبيق الشريعة, شرط أساسي) اھ كلامه وهنا نأتي للنقطة الثانية.
الزاوية الثانية: ماذا تعني الحرية عند الشيخ وغيره من الإسلاميين, وما مغزى هذا الكلام؟
الحرية في مفهوم القوم تعني أمرين:(تحرير العبد- تمكين العبد)
أ‌-                    تحرير العبد وتخليصه من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد,كلمات قالها الصحابي الجليل وهو يعيش أجواء من الحرية الخلاقة بعد أن كان المجتمع العربي يعيش جاهلية عمياء تسلبه أخص خصائصه الفطرية, ثم تحرر بنور الإسلام, ولكنه عاش في المرحلة الأولى حالة من الذعر والهلع حال دون التحرر الفكري, حيث كان المسلم مستضعفا في مكة يخشى على نفسه ودينه ولا يجرؤ على الإفصاح بكلمة الحق فضلا عن تطبيق شريعة الحق, إلى أن كان التمكين. وما أدراك ما التمكين
ب‌-               التمكين: فالمسلم قد يكون ممكَّنا وقد لا يكون ممكَّنا, والفرق بينهما كالفرق بين الأعمى والبصير, وبين الظل والحرور, وبين الأحياء والأموات.
 ويظهر هذا الفرق جليا في السيرة النبوية بين المرحلة المكية –إيمان بلا تمكين-, و المرحلة المدنية –إيمان مع تمكين-. والكثير منا سمع وربما رأى ما حدث ويحدث لكثير من الدعاة والمصلحين بل وللمجتمعات المسلمة من التضييق والتنكيل والتكبيل وطمس الهويات الإسلامية وقمع الحريات الدينية مما يستحيل معه تطبيق شريعة الرحمن, لأن الحكام –والحالة هذه- أشبه بالطواغيت, والأمم المسلمة المستضعفة أشبه بالعبيد, ومن هنا يأتي ضرورة التحرر من هذه الويلات للتمكن من تطبيق شريعة الرحمن.
وفي هذه الصورة بالذات تصبح الحرية شرطا ( حسب عبارة الشيخ, وبالمفهوم الأصولي) أساسيا لتطبيق الشريعة, إذ تقرر لدى المتكلمين أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
والشيخ إذيقرر كلامه ينبغي أن يفسر على النهج الذي ذكرنا, ولم لا والقرضاوي بنفسه قد عاش بلحمه ودمه صنوفا من تلك الاضطهاد والاستعباد ما ولّد لديه قناعة تامة بأن الحرية أساسية لتطبيق الشريعة.كما لو كان ممتثلا بالآية:
(الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وءاتوا الزكوة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ...الآية)  فهو إذا التمكين أولا ثم التطبيق.
                                      والحمد لله أولا وآخرا




الاثنين، 9 أبريل 2012

الجزيرة الثكلاء



جزيرة غوري مدينة متناقضة, تبتسم للعالم بطبيعتها الساحرة في حين تحتضن في رحمها أبشع صورة في تاريخ الإنسانية ,فهلم  نبحر معا نحو هذه الجزيرة الثكالى.
جزيرة غوري عبر التاريخ
 على بعد ثلاث كيلو مترات من العاصمة دكار تقع جزيرة غوري, وقد شكلت الجزيرة من منتصف القرن الخامس عشر إلى القرن التاسع عشر المنطقة الإستراتيجية  للنفوذ الاستعماري في المنطقة. حيث توالت على احتلالها كل من البرتغاليين عام 1444م ثم الهولنديين عام 1617م حيث سموها غويد ريد Goede Reede (الميناء الجيد) حيث الاسم الحالي للجزيرة, ثم غلب عليه الفرنسيون عام 1967م لكن كان بين هذا الأخير والبريطانيين نزاع مرير حول الجزيرة تم حله في اتفاقيات أميانس 1802م بعدها صارت خالصة للفرنسيين إلى أن تم الاستقلال.
هذا ولقد شهدت الجزيرة سلسلة من الصور المظلمة باتت وصمة على جبين التاريخ الإنساني وجرحا غائرا في ذاكرة الأفريقي, ذالك أنها كانت تمثل النقطة الأخيرة لنقل العبيد من غرب أفريقيا إلى أوروبا والأمريكيتين, فبمجرد أن تطأ قدميك عبر  أزقة هذه الجزيرة يستوقفك  تمثال –يبدو أن نصبه لم يكن اعتباطيا- ليروي لك في صمت, القصة من البداية إلى النهاية.
  يؤكد المؤرخون أن  عدد الأشخاص الذين نقلوا من إفريقيا عبر جزيرة غوري إلى القارة الأميركية يقدر بحوالي ستين مليون شخص، إضافة إلى ملايين من الذين ماتوا أثناء رحلة العذاب وهم في سفنهم، وآخرين عانوا من الأمراض فرمى بهم تجار النخاسة إلى البحر لقمة سائغة للأسماك، وكذلك  الذين قضوا نحبهم في أشغالهم الشاقة داخل الجزيرة قبل نقلهم في رحلتهم الأبدية إلى العالم الجديد حيث يحتقر العين سوادها.
معالم تاريخية
 تعرف هذه الجزيرة بمعالمها التاريخية الأخاذة المتأرجحة بين الأصالة  والمعاصرة. ومن بين  الآثار الخالدة :
بيت العبيد:
وهو الوحيد من بين العشرات  من الأماكن التي كانت تستعمل كمحل الارتحال للسفر بلا عودة , وترجع بنايته إلى عام 1780م, وقد شيدت لاحتجاز "المعتقلين" من الجنسين ومن جميع الأعمار قبل ترحيلهم. وتنقسم الدار إلى عدة عنابر, عنبر للنساء, وعنبر للأطفال, وعنبر للفتيات, وآخر للرجال, بالإضافة إلى عنابر للمتمردين لا يتجاوز سقفها 0.8 متر. بينما العنابر الأخرى لا تتجاوز مساحتها 6.76 متر مربع. في حين تكتظ بالعشرات من السلعة ذات النفس البشرية. وقد كانت هذه الدار نقطة بيع  وترحيل الرقيق, حيث تبدأ العملية بمقايضة الرقيق بالبضائع, ومن ثم ترحيل السيد ضحاياه عن طريق باب اللاعودة الشهير, وهو البوابة الخلفية للدار  المطلة على المحيط الأطلسي.
تمثال الحرية
لكن رغم الشعور بالمأساة الحزينة، ينتابك إحساس غريب بالانعتاق وأنت تقف أمام تمثال "حرية العبيد" خارج بيت العذاب والموت.. حيث تعانق فتاة افريقية متناسقة الجسد مستوية الملامح، قرينها الافريقي الشاب مجعد الشعر الذي كسر القيود رافعا هامته تحت شمس جزيرة غوري الجميلة.. إنه تمثال يعبر عن الرق، نفذ بواسطة فنان من جزر المارتينيك هو "جوادولوبو" في تاريخ الألفية للرق والاستعباد عام 2002 م ، ويزن التمثال البرونزي 500 كغ، ويبرز تحت التمثال طبل كبير.. والفكرة الفنية التي أراد الفنان صياغتها هي أن الطبول لم تكن حينها تستعمل للفرح كما هي اليوم.. لقد كانت تستخدم لجذب الناس وخروجهم من مخابئهم، فيتم اختطافهم إلى رحلة الموت أو الاستعباد. ولقد همس الفنان بحقيقة العذاب وإرادة الحرية.. فصار التمثال لحظة غفران تمجد الأسود الطيب.
هنا فقط عند "مشعل الحرية" هذا.. حيث تمارس الأنثى الإفريقية عناقها كما تشاء تحت ضوء الشمس، يتاح للزائر أن يرى جغرافيا الجزيرة الجميلة والتي رفلت كثيرا في ثوب التاريخ المؤلم..وعلى مسافة قريبة يرى الأطفال يلعبون على الشاطئ.. و الجزيرة العامرة بالحياة الرافضة للقيود.. الحالمة بغد أفضل..
جامعة القادة  " مدرسة ويليام بونتي القديمة"
تحتضن هذه الجزيرة  المؤسسة التعليمية الرائدة في بدايات  القرن العشرين : مدرسة ويليام بونتي التي تأسست عام 1903م وتعرف المدرسة على أنها المدرسة النظامية الفدرالية لأفريقيا الغربية الفرنسية.
 وتشتهر مدرسة وليام بونتي بأنها مؤسسة تعليمية خرجت كوادر ومعلمين وأطباء حملوا على أكتافهم عبء تأسيس معظم دول غرب أفريقيا.
وقد تخرج من هذه المدرسة قرابة ألفي طالب من أبرزهم الرئيس الراحل لساحل العاج فليكس هوفوت بوني، وموديبو كيتا أول رئيس لجمهورية مالي  وحماني جوري أول رئيس لجمهورية النيجر ومامادو جاه زعيم الإستقلال لجمهورية السنغال  إضافة إلى الرئيس السنغالي الحالي عبد الله واد.


المتحف التاريخي
يوجد المتحف التاريخي في الطرف الشمالي للجزيرة حيث الحصن "أستريت" المنيع أيام الإستعمار. وقد تم اعتماد المتحف من قبل المعهد الأساسي لإفريقيا السوداء(IFAN). هذا وتضم المتحف بين جنباته  أهم المشاهد للمسلسلات المختلفة للتاريخ السنغالي, إضافة إلى أجزاء مهمة من تاريخ غوري المعبر بالسطر والصورة.
غوري بين استقطاب  السياح واستفزاز الساسة
على الرغم من التطورات المذهلة التي تشهدها سواحل الرأس الأخضر إلا أن أن الجزيرة تمكنت  من الحفاظ على هويتها وأصالتها مما دفع اليونسكو إلى إدراجها ضمن برنامج مواقع التراث العالمية.
فلواحتها الأنيقة  تشد الجزيرة  انتباه السياح الذين يهتمون غالبا بالمعطيات التاريخية والمناظر الخلابة , ولذا تتدفق عليها السياح من جميع أرجاء العالم, فحينما تقل الباخرة من ميناء داكار تندهش بالأطياف المختلفة من السياح الأمريكيين والأوروبيين والأفارقة والآسيويين , حيث يقطعون ثلاثة أميال في البحر ليقفوا على جريمة عمرها ثلاثة قرون.
لكن الملفت للنظر هو عندما تكون الزيارة  من القادة الغربيين ليقفوا على أنقاض حضارتهم المكشوفة,  فلقد زار الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش جزيرة غوري في العام 2003م، وعبر عن أسفه البالغ في معرض انتقاده للعبودية معتبراً إياها أعظم الجرائم في التاريخ، كما زارها قبله سلفه الرئيس بيل كلنتون وأبدى اعتذاره لما حدث وأهداها شراعاً أبيض مليئاً بالثقوب في إشارة لمنافذ الحرية التي تنطلق في كل مكان. كما زارها بابا الفاتيكان يوحنا بولس الثاني وأبدى نفس الأسف لمشاركة رجال الدين الكاثوليك في ذلك الوقت في عمليات التجارة الآثمة.
كما يذكر أن نيلسون مانديلا زارها وعندما رأى زنازين العقاب الخاصة بالعبيد الآبقين طلب أن يدخلها لبعض الوقت.. وعندما كان يغادرها اغرورقت عيناه بالدموع.

المصادر
http://www.mairiedegoree.org