فما التصور الفقهي وما التصور
السياسي؟ وكيف نميز ونمايز بينهما؟
إن التصور الفقهي -باختصار- هو الحكم المستنطق عبر الآليات الأصولية
في استنباط الأحكام الشرعية، من نظر في الأدلة الكلية ودلالات الألفاظ، ومن
استخراج الحكم الشرعي منها. وهذا بخلاف التصور السياسي (العقلي أو الشرعي) فإن مبناه النظر في المصالح
المرسلة والظروف البيئية والآنية مع فقه المآلات .
وبعبارة أخرى -موجزة غير ملغزة- ، التعاطي في تفسير الواقع يمكن أن يكون عبر التقييم السياسي لها ومن ثم
بناء الحكم عليها وهو التصور الذي يختلف عن التحديد الفقهي المباشر في الحكم على
هذا الواقع.. ولنضرب لذلك أمثلة على جهة التأصيل وأخرى حديثة على جهة التطبيق.
المثال الاول:
يتضح في موقف السابقين إلى الإسلام في التفريق بين الروم والفرس باعتبار أن الروم
ينتسبون إلى دين سماوي والفرس مجوس؛ مما جعل المسلمين يفرحون لنصر الروم رغم أن
الحكم الشرعي في الدولتين هو الكفر. فالفرح
بانتصار الروم النصارى -وهو موقف سياسي - لا يتعارض مع مبدأ الولاء والبراء -وهو
مبدأ فقهي شرعي-، فلا يستقيم لمن يتبنى القراءة الأخيرة أن يورد أو يعترض على من
يتبنى الموقف الأول. لان الموقفين لا يتواردان من نفس المحل.
المثال الثاني:
اختيار الرسول عليه الصلاة والسلام الحبشة لتكون موضعا للهجرة الأولى قائلاً:
" اذهبوا إلى الحبشة فإن فيها ملكا لا يُظلم عنده أحد ". رغم مساواته في
الكفر مع غيره؛ لأن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم فيه كان قبل إسلامه.
ومن الأمثلة المعاصرة قضية السعودية وإيران: ولعل من نافلة القول بيان أن وراء الخلاف السعودي الإيراني عناصر ثلاث:
جانب سياسي كبير, وغطاء ديني شفاف, إضافة إلى نزعة قومية فضفاضة،
تلكم العوامل الثلاثة التي تتجاذب قضية إيران والسعودية.
فلو نظرنا إلى السعودية باعتبارها
راعية السنة في العالم, وإيران باعتبارها راعية الحركة الشيعية وتمددها حول
العالم، وبنينا جميع الخلافات بينهما على هذا الأساس الديني لربما فاتنا الكثير من
الحقائق. ذلك أن هناك جانب سياسي تكمن في قومية فارسية تملك السلاح النووي مقابل
قومية عربية ضعيفة لا تملك اي قوة وتوكل أمر حمايتها إلى شعوب أخرى نائية.
وعليه
ففي الإطار الفقهي يحسن مواجهة مواقف علماء السنة بعلماء المرجع الشيعي وقراءتها
قراءة فقهية وشرعية، وما عدا ذلك من المواقف وخاصة المناورات السياسية بين النظامين
السعودي والإيراني فيجب تفسيرها تفسيرا سياسيا يتأرجح فيه الحق بين الطرفين وربما
غاب فيها الحق عن كلا الطرفين. وعليه فلا يصح الحكم لصالح السعودية دائماً مما يؤدي إلى تحمل أخطاء النظام السعودي على
ثقلها, كما لا يصح تخطئة النظام الإيراني
دائما فيؤدي إلى بخس في الحقوق واختلال
الموازين.
وأخيرا, قضية موقف العلماء من الأحداث الجارية بين مجاراة السياسيين
ومعاداتهتم أو السكوت المطبق
وهذا المثال الأخير بحاجة الى تفصيل وذلك بالنظر إلى العلاقة الجدلية
الثنائية بين العالم والسلطة السياسية من جهة وبين العالم والقراءة الحرة للنصوص
من جهة أخرى قد يجعله في موقف لا يحسد عليه. فهو في موقف
ينتظر منه السلطة السياسية الإمضاء أو المجاراة , وفي أسوإ الحالات السكوت
والإغضاء. بينما ينتظره الجمهور في امتحان للصدع بما يتصورونه هم أنه هو الحق,
فحيث نطق العالم فيما ظاهره منصب لصالح الحكام فإن مطرقة الجمهور ترتفع لتضرب في
موثوقية العالم معتبرا إياه مداهنا. وحيث كان العكس فإن سندان السلطان تُلَوح
بالخيانة وعدم الولاء للوطن.
والواقع أن موقف العالم الساكت يمكن تفسيره من جهتين وكلاهما يبرؤه من
تهمة التواطؤ.
التفسير الفقهي: وذلك بالنظر إلى أنه مطيع لولي الأمر الحاكم الذي
يطلب عدم التصريح في السياسة الخارجية , فيذعن العالم مستنطقا النص القرآني: "أطيعوا الله وأطيعوا
الرسول وأولي الأمر منكم"
أما التفسير السياسي: فهو أن يقال إنه سكت بناء على أمر من الحاكم وهو
قرار سياسي. وهذا الكلام وإن كان ظاهره الصحة إلا إنه في الحقيقة غير سليم, فأمر
الحاكم قرار سياسي باعث إلى امتثال الأمر الشرعي المهيمن على أحوال المكلفين
جميعهم. وعليه يكون العبرة بمنطوق النص لا بمفهوم الواقع.
والخلاصة : أنه يجب توسيع مدارك النظر وآفاق الفكر في قراءة قضايا
الواقع-تحليلا وتفسيرا- وعدم تحجيم الفكر في زاوية واحدة أو قالب معين إذا كان
يحتمل أكثر من وجه. مع ضرورة التزام الإيجابية في القراءة وتجنب السلبية ما أمكن
إلى ذلك سبيلا.

