الاثنين، 27 أكتوبر 2014

قراءة الواقع بين الفقهي والسياسي

إن من حسن التمهيد أن نؤكد على أن إطار الفكر وقوالبه -أيا كانت الفكرة- قائمة على ركيزتي التصور والتصديق. فهو إدراك صوري يعقبه تصديق واعتقاد,  والتصديق هو النسخة التي يقف القارئ في حدودها ليخرج بحكم إيجابي أو سلبي على الصورة. أريد من وراء هذه التوطئة بيان أن طريقة التصوير للقضايا الاسلامية او الشرعية المعاصرة قد تكون من زاويتين مختلفتين في جوهرهما مع تمايز بینهما في القشرة. وإدراك ذلك التمايز يوفر الكثير من الطاقة في عملية الأخذ والرد والمطارحة العلمية  التی تستنزف الکثیر من أوقاتنا الثمینة وربما اختزلت صفحات من صداقاتنا الحميمة.
 فما التصور الفقهي وما التصور السياسي؟ وكيف نميز ونمايز بينهما؟
إن التصور الفقهي -باختصار- هو الحكم المستنطق عبر الآليات الأصولية في استنباط الأحكام الشرعية، من نظر في الأدلة الكلية ودلالات الألفاظ، ومن استخراج الحكم الشرعي منها. وهذا بخلاف التصور السياسي (العقلي أو الشرعي) فإن مبناه النظر في المصالح المرسلة والظروف البيئية والآنية مع فقه المآلات .
وبعبارة أخرى -موجزة غير ملغزة- ، التعاطي في تفسير الواقع  يمكن أن يكون عبر التقييم السياسي لها ومن ثم بناء الحكم عليها وهو التصور الذي يختلف عن التحديد الفقهي المباشر في الحكم على هذا الواقع.. ولنضرب لذلك أمثلة على جهة التأصيل وأخرى حديثة على جهة التطبيق.
المثال الاول: يتضح في موقف السابقين إلى الإسلام في التفريق بين الروم والفرس باعتبار أن الروم ينتسبون إلى دين سماوي والفرس مجوس؛ مما جعل المسلمين يفرحون لنصر الروم رغم أن الحكم الشرعي في الدولتين هو الكفر.  فالفرح بانتصار الروم النصارى -وهو موقف سياسي - لا يتعارض مع مبدأ الولاء والبراء -وهو مبدأ فقهي شرعي-، فلا يستقيم لمن يتبنى القراءة الأخيرة أن يورد أو يعترض على من يتبنى الموقف الأول. لان الموقفين لا يتواردان من نفس المحل.
 المثال الثاني: اختيار الرسول عليه الصلاة والسلام الحبشة لتكون موضعا للهجرة الأولى قائلاً: " اذهبوا إلى الحبشة فإن فيها ملكا لا يُظلم عنده أحد ". رغم مساواته في الكفر مع غيره؛ لأن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم فيه كان قبل إسلامه.
 ومن الأمثلة المعاصرة قضية السعودية وإيران: ولعل من نافلة القول بيان أن وراء الخلاف السعودي الإيراني عناصر ثلاث: جانب سياسي كبير, وغطاء ديني شفاف, إضافة إلى نزعة قومية فضفاضة، تلكم العوامل الثلاثة التي تتجاذب قضية إيران والسعودية.
 فلو نظرنا إلى السعودية باعتبارها راعية السنة في العالم, وإيران باعتبارها راعية الحركة الشيعية وتمددها حول العالم، وبنينا جميع الخلافات بينهما على هذا الأساس الديني لربما فاتنا الكثير من الحقائق. ذلك أن هناك جانب سياسي تكمن في قومية فارسية تملك السلاح النووي مقابل قومية عربية ضعيفة لا تملك اي قوة وتوكل أمر حمايتها إلى شعوب أخرى نائية.
وعليه ففي الإطار الفقهي يحسن مواجهة مواقف علماء السنة بعلماء المرجع الشيعي وقراءتها قراءة فقهية وشرعية، وما عدا ذلك من المواقف وخاصة المناورات السياسية بين النظامين السعودي والإيراني فيجب تفسيرها تفسيرا سياسيا يتأرجح فيه الحق بين الطرفين وربما غاب فيها الحق عن كلا الطرفين. وعليه فلا يصح الحكم لصالح السعودية دائماً  مما يؤدي إلى تحمل أخطاء النظام السعودي على ثقلها,  كما لا يصح تخطئة النظام الإيراني دائما فيؤدي  إلى بخس في الحقوق واختلال الموازين.
وأخيرا, قضية موقف العلماء من الأحداث الجارية بين مجاراة السياسيين ومعاداتهتم أو السكوت المطبق
وهذا المثال الأخير بحاجة الى تفصيل وذلك بالنظر إلى العلاقة الجدلية الثنائية بين العالم والسلطة السياسية من جهة وبين العالم والقراءة الحرة للنصوص من جهة أخرى قد يجعله في موقف لا يحسد عليه. فهو في موقف ينتظر منه السلطة السياسية الإمضاء أو المجاراة , وفي أسوإ الحالات السكوت والإغضاء. بينما ينتظره الجمهور في امتحان للصدع بما يتصورونه هم أنه هو الحق, فحيث نطق العالم فيما ظاهره منصب لصالح الحكام فإن مطرقة الجمهور ترتفع لتضرب في موثوقية العالم معتبرا إياه مداهنا. وحيث كان العكس فإن سندان السلطان تُلَوح بالخيانة وعدم الولاء للوطن.
والواقع أن موقف العالم الساكت يمكن تفسيره من جهتين وكلاهما يبرؤه من تهمة التواطؤ.
التفسير الفقهي: وذلك بالنظر إلى أنه مطيع لولي الأمر الحاكم الذي يطلب عدم التصريح في السياسة الخارجية , فيذعن العالم مستنطقا  النص القرآني: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"
أما التفسير السياسي: فهو أن يقال إنه سكت بناء على أمر من الحاكم وهو قرار سياسي. وهذا الكلام وإن كان ظاهره الصحة إلا إنه في الحقيقة غير سليم, فأمر الحاكم قرار سياسي باعث إلى امتثال الأمر الشرعي المهيمن على أحوال المكلفين جميعهم. وعليه يكون العبرة بمنطوق النص لا بمفهوم الواقع.
والخلاصة : أنه يجب توسيع مدارك النظر وآفاق الفكر في قراءة قضايا الواقع-تحليلا وتفسيرا- وعدم تحجيم الفكر في زاوية واحدة أو قالب معين إذا كان يحتمل أكثر من وجه. مع ضرورة التزام الإيجابية في القراءة وتجنب السلبية ما أمكن إلى ذلك سبيلا.


الثلاثاء، 15 أبريل 2014

حوار في المسميات "بين وسطي وسلفي"


ذات مساء التقى الرجلان بعد فراق طويل دام سنوات، كان أحدهما قد أشرق في طلب العلم والآخر شمأل في بلاد متاخم لوطنه.  
الوسطي: طال العهد بيننا يا صاح ، لقد اختلست الأيام والشهور عبق التواصل بيننا, فلم أسمع  عنك لا خبرا ولا أمرا.
السلفي: هو كذلك، مع أنني كنت أتابعك ساعة بساعة عبر المواقع الاجتماعية، دائما ما أقرأ خواطرك فلربما سررت بها وربما لا (يبتسم), وأحيانا يراودني قلبي على مراجعتك في بعض ما تنشر فأتجاهل، تجنبا للجدال والمراء ولعلني أحظى ببيت في ربض الجنة. 
الوسطي: يا إلهي، لم أشعر بوجودك معنا في تلك المنتديات فمن تكون؟
السلفي: أنا موجود باسم مستعار و....
الوسطي يقاطعه : أنت ذاك أبو عبد الله السلفي
السلفي: نعم أنا ذاك
الوسطي: هههه ولم هذا الاسم يا أخي؟
السلفي: يا أخي انما أتكنى اتباعا للسنة.
الوسطي: طيب  ومن أين لك السلفي؟
السلفي مستغربا: أو مثلك يسأل عن هذا ! السلفية هي الالتزام بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه علما وعملا، وهي تسمية شرعية أصيلة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة: "نعم السلف أنا لك" ونحن على منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين، ننابذ أهل الأهواء وننافحهم بالصحيح الثابت من السنة. فهي باختصار كلمة حق لا يستطيع أي مسلم أن يجادل فيه بعد أن تتبين له الحقيقة.
فهل بعد هذا تسألني عن السلفية وكأنك تنكر علي, أو لست سلفيا؟
الوسطي –مترددًا-: نعم.. بلى... بلى.. ربما أنا أيضا على ما أنت عليه وإن كنت أتحفظ على التسمية، فأنا على الوسطية الحنيفية وأفضل أن أكون وسطيا وهذا يكفي
السلفي: معاذ الله! أخبرني -وقاك الله داء الكلام- عن هذه الوسطية التي تتغنى بها؟
الوسطي: إنها المنهج الأصيل والطريق الأسلم، والوصف الجميل، والمفهوم الجامع لمعاني العدل والخير والاستقامة ،فهي حق بين باطلين واعتدال بين تطرفين وعدل بين ظلمين. وهي تحر متواصل للصواب في التوجهات والاختيارات. فهي -يا صاح- وسطية في العقيدة وسطية في الشرائع ووسطية في الشعائر, فالصحابة رضوان الله عنهم أوسط هذه الأمة ونحن على خطاهم سائرون
السلفي مقاطعا بعد أن نفذ صبره: كفى!.. دع عنك هذا الكلام وقل لي: هل لك سلف في هذه التسمية؟
الوسطي: بلى,  لدي سلف في ذلك وهو القرآن الكريم، اقرأ معي  أوسط آية من سورة البقرة, في قوله تعالى:" وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس"  فكلمة الوسطية شرعية أصيلة.
ثم انطلق الوسطي يشرح الآية بأسلوب بليغ ميال للإنشاء والفلسفة، الأمر الذي ألقى الملل في أذن صاحبه السلفي حيث ظل هذا الأخير يلقي السمع ولكنه غير شهيد.
وبينما هما كذلك في وسط ذلك الحي الغريب, إذ رُفِع أذان المغرب فتسارعا إلى المسجد لأداء الفريضة.
وفي ذاك المسجد يوجد الكثيرمن الشباب والقليل من الشيوخ, تقدم من بينهم شيخ طاعن في السن، ذو لحية خفيفة مخضبة, على عاتقه غترة بيضاء جذبها من إحدى زوايا المنبر.
قرأ الامام الفاتحة برواية ورش، ثم أتبعها بتلاوة منمقة لآخر آية من سورة الحج : (وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل .... )الآية. قرأها كما لو نزلت غضا من السماء وهكذا في كل الصلاة إلى أن انصرف عنها. وبينا الصاحبان في الباقيات الصالحات همس المؤذن في أذنيهما قائلا:
- أرجوا أن تؤخرا قليلا كي نفرش صفرة الشهدائيين
- صفرة ماذا؟ يسأل الوسطي
-  أقول صفرة الشهدائيين، أراكما من غرباء الحي, ولعلمكما إنا جماعة نسكن بحي يكثر فيه الأشاعرة والمتكلمين، فأنشأنا جماعة الشهدائيين اقتفاء بسنة المصطفى وأصحابه.
وقف الشابان مستغربان مِن هذا الرجل الذي يسترسل في الكلام ويفرش الصفرة ينثر فيها التمرة والمكعبات, غير آبه بهما وبتجاعيد وجهيهما التي تفاعلت مع كلمة : الشهدائيون!!!!!
- طيب ولماذا الشهدائيين؟ يسأل الوسطي
- وهل لكم سلف في هذه التسمية؟ يستفسر السلفي
- عجبا لكما أيها الغريبان, أجاب المؤذن, كنت أحسبكما عالمين لما رأيت من سَمْتِكما لكنما تسألان أسئلة الجهلاء. أو ما سمعتما الإمام آنفا يقرأ: )وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس" أو لم تقرءا في أوسط آية من سورة البقرة : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس" أتباع النبي صلى الله عليه وسلم هم شهداء الله على خلقه ، نحن الشهدائيون.... إنها تسمية شرعية أصيلة.....

يخرج الصاحبان دونما كلمة, ويتواعدان اللقاء ومواصلة النقاش عبر الموقع الاجتماعي.....

الثلاثاء، 14 مايو 2013

الاتحاد الإفريقي والتجمعات الإقليمية – إتحاد مالي نموذجا

كنت ولا أزال مقتنعا بأن حلم الاتحاد الإفريقي لا يمكن أن يتحقق إلا بواسطة تجمعات إقليمية قوية في شرق القارة وغربها ووسطها وشمالها وجنوبها, بحيث تجسد المصالح الاقتصادية والسياسية والثقافية المشتركة.
وهذه المؤسسات استطاعت أن تخيم في سماء إفريقيا منذ أن هبت ريح الاستقلال, بفضل تفاني بعض زعماء الأفارقة. لكننا إذا تأملنا واقع الاتحاد الإفريقي وقارناها بتلك التجارب الإقليمية منذ فجر الاستقلال سنجدها تعكس ومضات من التركيب الجيوسياسي المتناقض. وسنحاول في هذه الإطلالة تقديم انموذج "الاتحاد الفيدرالي مالي" (La fédération du Mal)كمنظومة سياسية إقليمية باءت بالفشل رغم النوايا الحسنة ورغم الشخصيات المرموقة التي تبنت المشروع.

فيدرالية مالي من البداية إلى النهاية
يذكر أن الأب الروحي لفكرة اتحاد دول إفريقيا الغربية الفرنسية  (AOF) هو الرئيس المالي الراحل موديبو كيتا, الذي استطاع أن يقنع القادة السياسيين المحليين بأهمية الاتحاد, فظهر في الساحة الإفريقية الفرنسية من يسمون بالفيدراليين,  وتمخض عن تلك الجهود انعقاد مؤتمر الفيدراليين (La conference des fédéralistes) عام 1958م في باماكو وتم التوقيع على الاتفاقية.
الدول الأعضاء
كانت المبادرة في البداية تضم بعض الدول الفرنكوفونية في غرب إفريقيا, وهي السودان الفرنسي (جمهورية مالي) والسنغال وفولتا العليا(بوركينا فاسو) وداهومي (بنين) أما ساحل العاج  برئاسة هوفيت بوانيه(Houphouet-Boigny) صاحب الوزن السياسي والاقتصادي الرهيب في المنطقة  فلم توافق على المشروع منذ البداية وأما غينيا فكان خارج السياق بسبب موقفها الثوري من الوطن الأم فرنسا. لكن الدول الأربعة تمادت وأعلنت الاتحاد الفيدرالي صبيحة 17 يناير 1959م. لتبدأ معها العد التنازلي للنهاية.
الانفصام
وتحت وطأة الضغوط الاقتصادية والسياسية من قبل ساحل العاج لم يلبث داهومي (بنين) وفولتا العليا (بوركينا فاسو) أن انفصلا وأصبحت فيدرالية مالي محصورة بين السودان الفرنسي والسنغال. وأول مشكلة أثيرت كانت حول من يترأس الفيدرالية, فالسودانيون لم يكونوا ليقبلوا رئيسا مسيحيا, وأغلب السنغاليين –آنذاك- لم يكونوا يرضون إلا بزعيمهم المسيحي سنغور, فكان الحل أن يترأس موديبو كيتا الحكومة الفيدرالية, ويترأس سنغور مجلس الشعب الفيدرالي.  وليته كان حلا, لكن هيهات.
 الأزمة
بالرغم من الجهود المبذولة في سبيل تفعيل التجربة الفيدرالية كانت كل المؤشرات تنذر بتأزم مبكر, فالقيادي السوداني موديبو وطني حتى النخاع, بينما القيادي السنغالي فرنسي بما فيه الكفاية, فأي قرار يصدر من أحد الطرفين يكون عادة محل انتقاد واعتراض من الطرف الآخر. والسبب المباشر لوأد الدولة البكر تتمثل في تعيين موديبو كيتا للكولونيل سماري (Colonel Soumaré) رئيسا لأركان الجيش في حين أن الطرف السنغالي يقترح الكولونيل فال (Colonel Fall), ما جعل الأخير يرفض المصادقة على القرار, نتجت عن ذلك عزل رأس الحربة وزير الدفاع السنغالي ممدو جاه. فاتهم الطرف السنغالي نظيره بمحاولة الانقلاب, ومن ثم أعلن الانفصال عن الفيدرالية في 20 أغسطس 1960م. وعقب تلك الأحداث تدخلت القوات الفرنسية وألقت القبض على القيادات السودانية  قبل إطلاق سراحهم وإرسالهم إلى باماكو ثم تعطيل السكة الحديدية دكار-باماكو
أسباب الأزمة
وحسب الرأي السنغالي فإن ثم عدة أسباب داخلية أدت إلى الانفصام منها:
أولا: اختلاف الطرفين في الاتجاهات الفكرية  والمدارس السياسية, بين الماركسية العلمية لموديبو كيتا والاشتراكية الديموقراطية لسنغور وممدو جاه.
ثانيا:استحواذ السودانيين على المؤسسات السنغالية .
وبالنسبة للجانب السوداني فالقراءة مختلفة تماما, حيث رأوا أن الأسباب خارجية أكثر مما هي داخلية
أولا: أخفقت الفيدرالية لأنها اتخذت مسارا مخالفا للسياسة الفرنسية الديغولية التي كانت تسعى نحو بلقنة (balcanisation) أفريقيا الفرنسية.
ثانيا: اتخاذ قرارات جريئة ومواقف سياسية مناهضة لفرنسا, من بينها تأييد حركة التحرير في الجزائر, والسعي لضرب نقد محلي.
وبغض النظر عن ما يذكره أولاء أو أولائك فإن القراءة السريعة للأحداث يجعلني أؤكد الأسباب التالية:
1-           الأنانية الفردية والأنانية الجماعية, رأينا أن أول مشكلة هي: من يترأس؟ وكيف أن المعركة بين الزعيمين موديبو كيتا وسنغور تحولت إلى جحيم سياسي بين الحزبين, ثم توتر علاقة بين الدولتين الشقيقتين.
2-           الأيادي الخفية لفرنسا,فالجهاز الفرنسي الإفريقي كان يرى من  الفيدرالية خطرا محدقا على مصالحه الاقتصادية والسياسية وهذا ما يفسر تدخلها السافر لخرق القتاد وتوسيع الرقعة على راقعها. بل لقد كان الاتحاد الفيدرالي محل سخرية عند الرئيس الفرنسي الذي كان كثيرا ما يردد:
(
La république du Soudan, je connais ; la république du Sénégal, je connais, la Fédération du Mali, je ne connais pas)
3-           ضبابية الرؤية وعدم وضوح السياسة المرسومة,فالحقيقة أن الطرفين مختلفين في تصورهما للاتحاد الفيدرالي, ففريق يرى دولة واحدة متلاحمة, وآخر دولتين متحدتين مع احتفاظ كل واحدة بسيادتها الوطنية. ولذا فبدلا من أن تكون دولة فيدرالية كانت  اتحادا فيدراليا تتجاذبه أنياب الحكومة و مخالب المجلس الشعبي في ظل غياب منظومة سياسية محكمة البنيان
دروس والعبر
بعد كل ما ذكرنا يحق لنا أن نتساءل هل يتصور أن يعيد التاريخ نفسه؟ وهل لهذا الأزمات الإقليمية أبعاد على وحدة أفريقيا؟
دون المجازفة في تحليلات سياسية لا أتقنها يجوز لي بكل اطمئنان إثبات الحقائق التالية:
أولا: إن قوة الاتحاد الإفريقي مرهونة بمتانة المؤسسات الإقليمية, فالدول المتاخمة في الحدود, المشتركة في الثروات المائية والمعدنية إذا لم تتعاون في حل مشاكلها السياسية والاقتصادية ولم توطد للاتحاد, فلن يملك مؤتمرات أديس أبابا حلا سحريا للوحدة الإفريقية.
ثانيا: ما لم تستقل الدول الإفريقية اقتصاديا, فإنها ستظل عاجزة عن تقرير مصيرها في ظل النظام العالمي الجديد, لأن من لا يملك قوت يومه أحرى أن يفقد  كلمته وكرامته.
ثالثا: في رأيي أن اختلاف الاتجاهات الفكرية والسياسية –وإن تمكنت من ذلك- لا ينبغي أن يشكل حجر عثرة أمام الوحدة الإفريقية, فالتحديات الكبيرة والمصالح الاقتصادية والثقافية المشتركة والحاجة إلى الاتحاد كل ذلك لا يسمح بالتفرج وتبادل التهم والانطواء خلف نظريات ايدولوجية لا تقدم ولا تؤخر إن لم يصحبها ترجمة عملية. فالمتحدون لم يتفقوا في كل شيء كما أن المختلفون لم يتناحروا في كل شيء. فإلى متى الوعي ؟



هاجس اللغة الرسمية


تأملت كثيرا من المقالات التي تشخص مشاكل دارسي اللغة العربية فوجدتها -والتعليقات من حولها- تكاد تجمع على أن عدم إتقان اللغة الرسمية يكاد يشكل عائقا أساسيا للمستعربين في سبيل الاندماج.
(وأود قبل الخوض في الموضوع التنبيه على ضرورة العناية باللغات الرسمية لأنها تمثل همزة وصل بين من يسمون بالمستعربين وبين من يسمون النخبة المتفرنسة, كما أن اللغات المحلية هي الهمزة وصل بينهم وبين القواعد الشعبية العامة).
ولكن دعوني أقوله بصراحة,  فلقد كنت في الماضي أشاطر الكثير في هذا الرأي ثم أرجعت البصر كرتين وتأملت الواقع فوجدت أني حملت المسألة أكثر مما تطيق, وأن الأمر في الحقيقة ليست مشكلة لغات وإنما هي مشكلة تصادم ثقافات وصراع حضارات في أضيق صورها.
ذلك أنني أجد الرجل الأجنبي الغربي –مهما كانت بضاعته المعرفية مزجاة- يلقى كل الترحيب في مجتمعاتنا الأفريقية , ويتيسر له كل السبل لتأسيس واكتساب ما يشاء بالطريقة التي يشاء. فالألماني مرحب به رغم العائق اللغوي, وقل مثل ذالك في الأسباني والأمريكي والرتغالي بل وحتى الروسي. واندماج هؤلاء الغرباء في مجتمعاتنا لا يكلف أكثر من أن يتمنوا ذلك ليصبح حلما متحققا.
بينما المستعرب وابن البلد, الذي استقى معارفه في البلدان الشرقية (الإسلامية) وتشبع باللغات الشرقية يجد الصعوبة كل الصعوبة في الاندماج , فهل مرد ذالك إلى عدم إتقانه للغة الرسمية لدولته؟!!!!!
بعبارة أخرى, عدم إتقان اللغة الرسمية هل يعوقنا عن الاتصال مع قومنا (الشعب) ؟ فلو قلنا  نعم فهذا يعني إلقاء اللوم على الآباء الذين اختاروا لنا هذا الطريق , وأننا غير راضين. والحقيقة –فيما أظن- أننا راضون ومعتزون.
إنها في الواقع مسألة صراع ثقافي قديم وليست مسألة لغات, لأننا لا ننسى أن الاقتناع بهذا الهاجس اللغوي يشكل رمادا تحته جحيم , ذالك أن الحكومات الفرنكوفونية  في الغرب الأفريقي كانت في إحصائياتها- وإلى حد قريب- تصنف المستعربين ضمن قائمة الأميين, وأذكر هنا الخطوة المتأخرة التي اتخذتها الحكومة السنغالية فيما بعد الثمانينات من  الاعتراف بالمستعربين على أنهم أناس غير أميين أي يستطيعون القراءة والكتابة!!. فهذه المسخرة هي التي تفسر تقديم ذلك الألماني أو البرتغالي علينا معشر الناطقين بالضاد,  بالرغم من اختلاف لغاتهم, وبالرغم من أصالتنا في بلداننا.
لذا أقول بكل اطمئنان, أن المعركة الضارية التي دارت بين الأجداد وبين المستعمرين, ودفعت الأولين إلى تأسيس مناهل علمية ذات طابع إسلامي , لا تزال هذه المعركة مستمرة ولكن بصورة أخرى. ونحن وإن كنا نتفق مع الأجداد في مبدأ " المواجهة" إلا أننا قد نختلف معهم في تفسير طبيعة تلك المواجهة والآليات التي يلزم اتخاذها, بحكم كوننا وإياهم نختلف في الأزمنة والأحوال.
ومهما يكن من أمر فإننا مدعوون إلى اتخاذ استراتيجيتين أساسيتين لكسر الحاجز وكشف الهاجس وهما:
أولا: استراتيجية "خذ الكتاب بقوة"
وهذا يتعلق بالجانب التأصيلي المعرفي, فالمطلوب من كل واحد منا إتقان الفن الذي هو متخصص فيه وإتقان صناعته أيضا, لأن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا ان يتقنه, وبقدر إتقان المرء لفنه تكون قيمته. وهذا المبدأ يجسده لنا قصة العالم الميكانيكي الياباني, فلنأخذ من الألباني مثالا في الصناعة الحديثية , ومن أوساهير الياباني مثالا في الصناعة الميكانيكية ومن العالم الغيني مثالا في الصناعة الأصولية ومن عبد الله بن بيه الموريتاني في الصناعة المقاصدية..... وهلم جرا.
وقديما قيل: قيمة كل امرئ مايحسنه, وإن شئت فقل: قيمة كل امرئ ما يطلبه وبينهما فرق فليتأمل
ثانيا: استراتيجية "بلغ ما أنزل إليك"
وهذا فيما يتعلق بالجانب العملي, فعلى المرء أن يتفانى في تسويق بضاعته الشرعية أو الأدبية أو العلمية –إن صح التعبير-, لأن السلعة الغالية التي نملكها يجهلها الكثيرون وبالتالي يحتاج إلى شيء من التسويق, لأن هذه العقول الإسلامية في النهاية هي التي ستقدم الحل لمختلف القضايا الإنسانية المعاصرة , كما فعلت مع الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة المباركة. ويؤسفني هنا أن ألاحظ غياب الخطاب الإسلامي في منتدياتنا الفكرية في الميدان الإفريقي  في الوقت الذي يتعطش فيه مجتمعاتنا إلى تفسير إسلامي صحيح لمختلف القضايا المطروحة.
وختاما, أعتقد أننا إذا أحسنا العزف في أوتار هذين القانونين (قانون الأخذ و العطاء) فإنه سيسمح لنا بتحقيق وجودنا وتأكيد بصماتنا بعيدا عن كابوس اللغة الرسمية وهواجسها.
ووسائل تلكم الاستراتيجيات تتموقع في مؤسساتنا العربية الإسلامية مما يستدعي دراسات نقدية جادة في نهجها ومناهجها وهو ما ستراه في مقال لاحق.

التدين عند الفلانيين في الفترة ما قبل الإسلام


الحديث هنا يحاول الكشف عن  الموروثات الفلسفية الدينية للفلان في الفترة ما قبل الإسلام. ذلك أن المنصف يلاحظ تفاني هذا الشعب في الدفاع عن الدين ولا يخفى مواقفهم الحميدة في نشر الإسلام على امتداد إفريقيا جنوب الصحراء منذ القرن الثاني الهجري حسب ما قرره علماء الآثار, أو القرن الرابع حسب الكتابات الغربية, لكن السؤال هنا ليس عن انتمائهم الإسلامي لكن عن التدين في الجاهلية, هل كانوا على الفطرة؟ وهل كان لديهم أنبياء؟أم أنهم  كانوا وثنيين كما هو الشأن في أغلب القبائل الإفريقية؟ للإجابة على هذا السؤال لابد من التطرق -بشكل مختصر جدا -للأطروحات المختلفة حول أصول الفلان.
مما لاشك فيه أن الفلان ينحدرون من أصول حامية  وهذا يرد على كل نظرية تؤكد صلتهم باليهود , كما يرد على دعوى الانتماء إلى العرب وخاصة من رجل في القرن الثاني الهجري مثل عقبة بن نافع الأموي. ومن المؤكد أنهم كانوا مقيمين في الصحراء الكبرى جنوب النيل (مصر والسودان –حاليا-) حسب الروايات الفلانية – ومجاورين للفراعنة ثم اتجهوا جنوبا متوغلين في الأدغال إلى أن وصلوا غرب إفريقيا تحت ظروف مشروحة في روائيات أمادو  حمباتي باه المالي الشهير
لكن السؤال هو ما هي العقيدة التي كانوا يؤمنون بها قبل إسلامهم في القرن الثاني الهجري؟
تشير الروايات إلى أن عباداتهم لم تكن لأحجار منحوتة أو لحيوانات مرعبة ول
كن لها  علاقة بالشمس أو برب الشمس!!
عبادة الشمس عند الفلاتة
يرى بعض المؤرخين أن الفلان كانوا يعبدون رب الشمس وهو ما يميل إليه المؤرخ الشهير يرو دورو جالو, بناء على أنه كان لديهم نبي في غابر الزمان يسمى " تُمَانِ" أو "آتمان" (وهو اسم يوحي إلى عثمان!) وقد استدل على ذلك  ببقايا الأهازيج التي يتغنى بها العجائز الفلان- ولا يزال الأنشودة مشهورا إلى يومنا هذا بين عجائز فوتا تورو وتجيب في الوقت نفسه على السؤال :هل كان هناك نبي للفلان؟
والأنشودة كالتالي :
 (ha tumaani  bajjel, tumani yiɗi nguuron, tumani yiɗii mayon, tumani wona alla tumani ko annabiijo alla, ko alla tan nelnooɗum yo haal ko halatako)
"إنه آ تمان الفريد , كتبت لكم الحياة والموت سواء أراد ذلك تمان أم لم يرد , تمان لم يكن إلها وإنما كان نبيا من أنبياء الله يتكلم على لسانه"
وحيال هذه الأنشودة التي تؤكد أن الشخص المدعو "تمان- بضم التاء, أو آتمان" لم يكن إلها وإنما كان نبيا, لا يمكن لنا الجزم بصحته أو عدمه لعدم الدليل الصحيح الصريح على ذلك وإن كان يحتمل دخوله في قوله تعالى (ومنهم من لم نقصص عليك)
 فهذه الأطروحة وإن أراد أن يجعل من الفلان شعبا عاشت مدى الزمان على الفطرة غير أن الأدلة على عبادة الشمس أكثر وأوفر كما ستراه في الآتي.
أطروحة عبادة الشمس
يعتمد أصحاب هذا المذهب  على ما نقل في الروايات من أن عجائز الفلان كانوا يؤدون صلواتهم عند طلوع الشمس, يتوجهون نحوها خافضين رؤوسهم مع مد أصبع الخنصر,  يرتلون صلاة الحرمات السبع بالصيغة التالية:  
 (buuɗal yurmeende fuɗi e bindi Geno, yo jam ñallu ha ɗo cinsinɗima kaaɗi, jawdi e ɓesngu ne sarii e ladde yo yiiterema reen, amin keddi e fimnde ma min piptata, kala ko jiɗɗa min coottiriɗum biige e dimaaɗe e ƴiiƴam sagataaɓe, amin keddi e fimnde ma min piptata, min penata, min kulata kowona alla, min tooñatah, min ngujjata, min njanfotaako, min ngoofatah, min taƴatah enɗam, kala ko daña koho renda, yo to cinsinɗema kaaɗi.)
(طلعت شمس الرحمة في ملكوت الإله الأزلي, ليستقر السلام إلى منتهى شعاعك, ولتكن المال والأهل المنتشرة تحت رعايتك وكلئك, فنحن لا زلنا ولا نزال على عهدك, نفتدي بمرضاتك الأبقار والصافنات الجياد ودماء الشباب , نحن على عهدك باقين ولن نخلفه, لا نكذب, لا نخشى سواك,  لا نظلم, لا نسرق, لا نخون, لا نعصيك, ولا نقطع الرحم, كل ما نملكه في محيط شعائك مشترك بيننا"
وعليها ملاحظات:
أولا: يلاحظ أن كاف الخطاب موجه دائما إلى الشمس وليس إلى  رب الشمس الأزلي (Geno), وهذا أبلغ دليل على أنهم من عباد الشمس على غرار قوم سبأ (وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله)
ثانيا: ونجد في هذا الصلاة تعظيم شعاع الشمس لسعتها اللامتناهية في رأيهم
ثالثا: موضوع الحرمات السبعة الموجودة في أبجديات اللغة الفلانية على اختلاف قبائلها , فلا يزالون يحلفون بها, ويقولون "haramejam jeeɗiɗi" أي (بحق الحرمات السبعة ) فما هي هذه الحرمات؟ الجواب موجود في الصلاة السابقة وهي  (1-لا نكذب, 2-لا نخشى سواك,  3-لا نظلم, 4-لا نسرق, 5-لا نخون, 6-لا نعصيك, 7-ولا نقطع الرحم) وهي كما ترى منهيات شرعية في الدين الإسلامي (الكذب , الشرك الظلم, السرقة, الخيانة, العصيان, قطيعة الرحم ) فهذه القيم الأخلاقية تعد -في السابق- المواثيق السبعة للفلاتة , ويعتبر لحد الآن في أوساط الفلان في فوتا تورو من الأيمان المغلظة .
أطروحة عبادة الأصنام واشتقاق الألقاب من الآلهة
وهناك أطروحة تذكر أن أسماء الفلانيين مشتقة من آلهتهم التي كانوا يعبدونها ف "با" و"بري" و"بالدي" إشارات إلى آلهة الشمس , فالباء تعني البركة و"ره" تعني الشمس عند القوصيين , ولقب "صو" إشارة إلى حية كانوا يعبدونها , ومثل ذلك في "جوب" وهلم جرا . على أن هناك من كانوا يعبدون العجل ويرون أنه أعظم شيء في وجه البساطة , ولذا يقولون (kaari ko ngaari mawndi)  فلان عجل كبير ....
وأخيرا ما ذكرناه أعلاه من القراءة التاريخانية لا ينقص شيئا من الهوية الإسلامية العريقة لقبيلة الفلان ودورها المجيد في نشر الإسلام في ربوع القارة , وهذا وحده مصدر فخر واعتزاز .