الخميس، 25 فبراير 2016

حكاية مع الأستاذ علي غي الجامبري-رحمه الله-


كنا بالكاد مجموعة من المراهقين، تلامذة في المعهد الإسلامي العالي بلوغا في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين حيث كنا نعيش حالة نفسية تتعارك فيها إيحاءات الفطرة السليمة ونزوات المراهقة المنفوخة.
في هذه الظروف بالذات لاحظتُ أستاذا يقارب الأربعين –على ما يبدوا لي-يختلف إلى المعهد، نعرفه بسيماه: كان ذا بسطة في العلم والجسم، صاحب منظر أنيق وهيئة حسنة، تزين وجهه لحية كثة، وتعلوا محياه الابتسامة الدائمة، يخيل إليك عندما تلقاه لأول مرة أنه صديق قديم. ولعل يصدق في مثله تلك الكلمات النبوية: "المؤمن يَأْلف ويُؤْلَف، ولا خير فيمن لا يَأْلَفُ ولا يُؤْلَف، وخير الناس أنفعهم للناس".
كنا نألفه، وكان هو أكثر ألفة لنا. لم يلبث أن علِمْتُ أنه مُدرِّس بالمدارس الحكومية ومن النخبة الفرنسية -كما يقال-، لكنه كان يحمل همّ الدعوة ولعل هذا ما يفسر اختلافه إلى المعهد الإسلامي حيث يُتصورُ وجود براعم للدعوة والحركة الإسلامية.
كنا في أيام السبت نحضر نشاطاته وثلة من رموز الإصلاح في المدينة في صالة المحاضرة بمجمع عمر بونغو المشهور (Complexe Omar Bongo)، حيث كانت لغة المحاضرات باللغة المحلية ممزوجة بالكثير من الجمل والمصطلحات الفرنسية.  في الحقيقة لم نكن ندرك كثيرا من محتويات تلك المحاضرات، لكن كانت تكفينا جملة واحدة تتعرض لتفنيد العلمانية -مثلا-أو فلسفة من الفلسفات الهدامة أو ترد على دعاة التحرر والتفسخ الأخلاقي، لكي نطير بها فرحا نستأنس بها أسابيع وتكون حديث المجالس. كنا نبحث عما يذكي الحماس وكان موجودا عند الأستاذ رحمه الله.
هذا عن نشاطاته العامة، أما فيما يخصنا فكان لدينا معه لقاءات أسبوعية أو بالأحرى سهرات ليلية يطرح لنا فيها قضية من قضايا الساعة وليس كأي طرح!
تعلمنا بين يديه طريقة في الطرح لم نكن نعهدها، كان يبادرنا بأسئلة نراها بديهية ونبادر بالجواب وكأننا الإمام مالك أو أبو حنيفة، ثم يعترض على أجوبتنا بطريقة عقلية يجعلنا في حيرة من الأمر ونصبح وكلنا فضول في معرفة الجواب.
كنا ننكر اعتراضاته لأول وهلة. لكني -شخصيا-وبعد عقد من الزمن وأنا أقلب في مسألة من المسائل تذكرتُ الأستاذ ومنهجيته وأدركتُ ما كان يرمي إليه.
إنه كان يلامس الجوهر المكنون في الشباب، ويثير الفضول المعرفي، ويوقظ العقل الكسول، وكأن لسان حاله يقول: أفيقوا يا شباب، وأيقظوا هممكم وعقولكم فإن الأزمة القائمة أزمة عقل، وإن التحديات القادمة تحديات فكرية قبل أن يكون أي شيء آخر.
على كل حال كنا وإياه أسرة واحدة، نشتاق لليالي الجمعة حين كان يقودنا الزميل محمد غي سيلا إلى ذاك الحي حيث نلقى الأستاذ أو نُزاول تدريبات دعوية.
نعم، كانت تدريبات دعوية على شكل مسرحيات إسلامية هادفة. وهناك زاولت مهاراتي الأولى في مجال التمثيل، مع أول مسرحية بعنوان: حادثة الإفك.... وتوالت تلك المسرحيات التي تستمد خيوط أفكارها من وحي القرآن والسيرة النبوية. وقد باتت صورا مخزونة في الذاكرة بعد أن كانت كلمات محفوظة في الصدر...
وحين أنظر من حولي وأرى أغلب التلاميذ الذين كانوا من حوله قد أصبحوا أشبالا في الدعوة والعمل الإسلامي أدرك فعلا جليل عمل الأستاذ وصدق حدسه وبعد رؤيته وثمرة دعوته.
طبعا ليس لدي الكثير لأقوله عن هذا الأستاذ الفاضل، والمربي الخلوق والداعية الحصيف الذي عايشته في ظرف قصير لم يتجاوز السنتين وفي فترة من العمر والصِّبا لم يكن للضمير فيها كلمة مسموعة ولا للروح فيها معنى ذي بال، إلا أن القلب يأبى إلا أن ينتفض لذكراه وتأبى العزيمة إلا أن تستلهم بسيرته، ويأبى القلم إلا أن يسطر كلمات من الوفاء وعرفانا.   

رحم الله الأستاذ المربي علي غي الجامبري فقد كان مثالا في الخلق، مثالا في التواضع، مثالا في الاحتفاء بالشباب، مثالا في التربية والحركة والدعوة...  رحمه الله برحمته الواسعة. 

                                    

الاثنين، 11 مايو 2015

إرسال القوات السنغالية إلى السعودية .... حديث ما بعد الفزعة



عند ما أُعلِن القرار بإرسال قوات سنغالية إلى السعودية بحجة حماية الأماكن المقدسة كانت هناك ردة فعل من جميع الجوانب وعلى مختلف المستويات, واكتفيت حينها في التعليق على الخبر بعبارة واحدة: (لعله خير). ريثما تهدأ الفزعة وتستفيض المعلومات الموثقة وتسكت لغة العواطف.

وقفة مع سيكيولوجيا الجماهير
وقبل الدخول في قلب الحدث, أرى من المستحسن إلقاء الضوء على نفسيات المحللين والمنفعلين المتفاعلين مع الحدث. وعند التأمل نجد أن زواياهم لقراءة الأحداث متعددة فهم إما:
-      شخص غيور على دينه وناقم على السياسات الخارجية للسعودية, وخاصة موقفها المخزي مما بات يسمى بالربيع العربي. فهدا موقفه الطبيعي هو الرفض لجميع مبادرات السعودية بما فيها عاصفة الحزم وإعادة الأمل وما يدور في فلكيهما من تحالف ضد الحوثيين.
-      وإما شخص غيور على دينه يرى للسعودية وصاية على الخط السني جملة, من خلال موقفها الاستراتيجي وبالتالي فيجب دعمها ومباركة مساعيها كافة ومنها مباركة القرار السنغالي وهذا موقف الغالب من طلبة العلم والدعاة من ذوي الاتجاه السلفي.  
-      وإما شخص يغلب عليه التصوف الحزبي بحيث ينظر للموضوع من زاوية تمدد الامبريالية الوهابية على باقي الأجزاء في العالم الإسلامي, مما يدعوا للحذر ورفض القرار. وهذا ربما فاته التفسير الصحيح لمعنى "أهل السنة مقابل الشيعة" في سياق هذا الحدث.
-      وإما شيعي ينظر إليه من زاوية الحرب السنية الشيعية وبالتالي يرفض أي فكرة لرد العدوان في اليمن, سواء كان داخليا أو خارجيا.
-      وشخص أخير علماني متطرف يتضايق من الدين وكل ما يمت إليه بصلة وبالتالي لا يستسيغ نقل قوات "أفريقية" سنغالية لحماية المقدسات في السعودية "العربية" بناء على تبريرات دينية. وهذا موقف بعض المثقفين العلمانيين في السنغال وما سواها.
وفي رأيي أن الاكتفاء بواحدة من تلكم الزوايا قد يشكل حجبا أمام القارئ تمنعه من رؤية الحقيقة بصورة متكاملة.
لذا سأحاول قراءة الحدث كمواطن سنغالي مسلم دون محاولة الدخول في المخ السعودي أو الإيراني أو الطائفي أيا كان توجهه.
وقبل ذلك من اللازم رصد تساؤلات المعارضين للقرار السنغالي قبل الدخول في تفاصيل الموضوع, وأهم تلك التساؤلات-وجيهة كانت أم غير وجيهة- هي:
-      لماذا تتدخل السنغال في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل؟
-      لماذا تركت دولا أفريقيا بحاجة إلى دعم عسكري مثل نيجيريا وتمشي إلى الدول العربية ؟
-      لماذا هذا العدد الهائل: 2100 جندي مقابل 200 جندي فقط أرسلتها عند جارتها مالي؟
-      يقولون إنه من أجل حماية المقدسات... أليس تبريرا هشا لتدخل ليس وراءها سوى أسباب مادية؟!! .........

السنغال: عملاق ديبلوماسي
تحتل السنغال في أقصى غرب أفريقيا مساحة جغرافية صغيرة الحجم. ولا تملك الكثير من الثروات المعدنية لكنها في الوقت نفسه تمثل عملاقا في الديبلوماسية الإفريقية مكنتها من خلق صورة حسنة ومرموقة في ملتقى الشعوب. وثم ركيزتان تعتمد عليهما الاستراتيجية السنغالية في تسيير شؤونها الخارجية وهي:
-      ركيزة الثقافة: إذْ لم تَتَنَكر السنغال يوما لثقافتها سواء الشق الإسلامي منها أو ما كان من الإرث الاستعماري. فثقافتها الإسلامية سمحت لها بتعيين سنغالي أمينا عاما لمنظمة التعاون الإسلامي, واستضافة قمة رؤساء المنظمة مرتين, وترأس لجنة حقوق الفلسطينيين في الأمم المتحدة سنوات عديدة- ولا تزال-. ولديها ست عشر سفارة فاعلة في العالم العربي من أصل 22 دولة عربية "مع جزر القمر".
وعلى الجانب الآخر, فالسنغال في ممارساتها الديبلوماسية لم تتنكر لإرثها الاستعماري الفرنسي بل ساهمت في نشأة وتيسير وإدارة المنظمة الدولية للفرنكوفونية. كما تعتبر فرنسا أولى شريكة لها في جميع المجالات. ومن هذا المنطلق تفهم سر مشاركة الرئيس السنغالي في مظاهرة شارلي بباريس للتنديد بالعنف...
-      ركيزة "الإرساليات العسكرية" ويمكن تسميتها بركيزة نصرة الأصدقاء وحفظ السلام: ومن هذه الحيثية لعبت السنغال دورا كبيرا في إحلال السلام في كثير من المناطق سواء تحت مظلة الأمم المتحدة أو المنظمات الإقليمية, أو بدعوة فردية من دولة صديقة. وتوجد حاليا ما يقارب من ستة آلاف جندي سنغالي  حول العالم منها فيما يخص أفريقيا : دارفور بالسودان, ومالي, وأفريقيا الوسطى. كما أنها لم تتردد حينها في المشاركة بقواتها العسكرية في حرب الخليج إلى جانب أصدقائها السعودية والكويت.
الهدف من وراء هذا التفصيل –أيها القارئ الكريم- هو تقديم فكرة موجزة عن الرؤية الاستراتيجية للسنغال في المجال الديبلوماسي لتسهيل استيعاب قرار الحكومة السنغالية في المشاركة في التحالف لدحر القوات الحوثية.

قرار السنغال.. المحتوى والمبررات
جاء في بيان رئاسة الجمهورية أن الحكومة السعودية طلبت من شقيقتها السنغال مساندتها في حماية حدودها ضد خطر الحوثيين الانقلابيين في اليمن. وفي تقديمه لخطاب الرئيس لدى المجلس الوطني برر وزير الخارجية السيد مانكير انجاي قرار الرئيس بأنه "من أجل حماية الأماكن المقدسة من الاعتداءات....." وفي تصريح آخر أكد الوزير أن القوات العسكرية لا تذهب لليمن وإنما للسعودية وهدفها مساندة السعودية في تأمين الحدود. وهذا التصريح مهم بحيث يكشف الضبابية عن مستوى التدخل, وفيه شيء من الطمأنة للرأي العام السنغالي الذي لا زال يتذكر حادثة وفاة قرابة التسعين جنديا سنغاليا في حرب الخليج.

التبرير الديني غير واقعي وإن كان مقبولا
قديما قالوا في المثل المعرب: كل الطرق تؤدي إلى مكة. وكأنه ألهم السلطات السنغالية ليقولوا إن سبب إرسال القوات العسكرية هو حماية الأماكن المقدسة المهددة. وفي أبعد مكان يقول الوزير: "وقد تبين لنا أن هؤلاء الثوار لا يشتركون معنا في العقيدة، ولا يؤمنون بطرقنا الصوفية، ويهدمون قبور الأولياء في كل مكان استولوا عليه إلى آخر السورة المكية .... " وهذا التبرير -في رأيي- وإن كان مقبولا إلا أنه غير سديد.
أما كونه غير سديد فلأن الأماكن المقدسة لو كانت فعلا في خطر فلن تكون السنغال وحدها في قائمة المستنفرين. وأعتقد أن سبب تقديم هذه الحجة هو محاولة العزف على وتر الأحاسيس الإسلامية للسنغاليين البسطاء. على قاعدة "سيسي حرك أحاسيسي" أو "إسلامي حرك أحاسيسي".
ولكنها حجة مقبولة على العموم لأن السعودية -كدولة- تقع فعلا في خطر بعد حصارها بالمد الشيعي الذي استولى على عواصم كثيرة في الشرق الأوسط (بغداد, سوريا, لبنان, صنعاء) وطوقتها من كل الوجوه ولا شيء يمنع أن يحدث فيها من حدث فيما سواها. كما أن التاريخ لا تزال تذكر العمليات الشنيعة التي قام بها الروافض حين تمكنوا من الحرمين. وإذا كانت الحدود السعودية في خطر فإن الحرمين ولا شك ستكونان كذلك.

قرار لعل فيه خير....
إذا نظرنا إلى الأمور من زاوية جيوسياسية فسوف نجد أن قرار السيد مكي سل في إرسال القوات حكيما ورشيدا من جهة أن العلاقات بين البلدين في منتهى القوة. ولقد كانت السعودية شريكة دائمة للسنغال في جميع المجالات وخاصة التنموية والاقتصادية والثقافية. وهو ما يفسر الامتيازات التي تتمتع بها السلطات السنغالية لدى الحكومة السعودية, وقل ما حصل لغيرها من دول جنوب الصحراء.
كما أن هذا القرار امتداد طبيعي للرؤية الاستراتيجية السنغالية تجاه أصدقاءها وتجاه الشرق الأوسط. وإن أية دولة طموحة تتمنى أن تلعب دورا في في منطقة الشرق الأوسط إن بشكل أو بآخر.
كما أن ثَم مصالح كبيرة للسنغال في هذا القرار, اقتصادية وسياسية وعسكرية لا يناسب سردها في هذه السطور.
قرار حكيم ... ولكن !!
-      ولكن أليس الأولى إرسال قوات لمحاربة الإرهابيين في نيجيريا؟! استدراك من بعض المعارضين للقرار, ولكنه يَنِم عن عدم فهم لواقع القوانين الدولية في الحروب والتدخلات العسكرية. فنيجيريا لم تتوجه يوما بخطاب خاص إلى شقيقها السنغال لدعمها في محاربة الإرهاب. كما أن طلبها الأخير العالق في مجلس الأمن الدولي جاء بعد تردد طويل من السلطات النيجيرية التي كانت لديها موقف رفض من تدخل القوات الأجنبية في حربها على الإرهاب. والتحركات الأخيرة من دولة تشاد لضرب بوكو حرام لم يكن لأجل سواد عيون نيجيريا بل غصبا عنها فعلها تشاد من أجل كسر الحصار الاقتصادي الذي كاد أن يسببه استيلاء الإرهابيين على الطرق الاستراتيجية لتوصيل البضائع من موانئ الكاميرون إلى انجامينا -عاصمة تشاد-. فيا ترى أنى للسنغال أن ترسل قواتها لمحاربة عدو هلامي تسوده الكثير من الضبابية ولم تتوفر المعلومات الكافية حوله؟!
-      ولكن...  السنغال أرسلت 200 جندي مقابل 2100 في السعودية فأين هي الرؤية الاستراتيجية والتعاون الأفريقي؟
هذا الكلام مبني أولا على معلومة خاطئة, فعدد القوات السنغالية في مالي ثمانمائة شخص مكونة من أفراد الجيش, ورجال الدرك. كانت آخر الدفعة مكونة من مائتي فرد من رجال الدرك.  كما أن القوات في شمال مالي ليس بإشراف دولة مالي وإنما بإشراف الإيكواس التي تطلب من الدول الأعضاء حسب الطاقة والإمكانات المتوفرة لدى المنظمة. وهذا على العكس من القضية السعودية, فالطلب من الحكومة السعودية والإشراف ورعاية قوات التحالف تقع على عاتق السعودية فلا سبيل للمقارنة مع التدخل في شمال مالي.
والخلاصة أن السنغال كانت ولا تزال تتدخل (أو تخوض) في حروب رأتها عادلة. من حروب تحت راية المستعمر إلى حروب أكثر عدالة في الخليج والبوسنة,  إلى قوات لحفظ السلام في جميع أنحاء العالم : سابقا في رواندا, ساحل العاج وهايتي في أمريكا الجنوبية, وحاليا في جمهورية أفريقيا الوسطى, والكونغو الديمقراطية, والسودان, ولبنان, ومالي والسعودية وستستمر في طريقها من أجل السنغال الكبيرة
بعد كل هذه الحقائق لم يبق إلا أن نقول لقرار سيد الرئيس: لعله خير... نعيش.. نموت... ويحيا الوطن.
 حفظ الله السنغال وجيشها ورفع رايتها في سماء العزة والإنسانية والإسلام.
                                     
                                    أحمد الأمين عاج / الكويت 2015م





الاثنين، 27 أكتوبر 2014

قراءة الواقع بين الفقهي والسياسي

إن من حسن التمهيد أن نؤكد على أن إطار الفكر وقوالبه -أيا كانت الفكرة- قائمة على ركيزتي التصور والتصديق. فهو إدراك صوري يعقبه تصديق واعتقاد,  والتصديق هو النسخة التي يقف القارئ في حدودها ليخرج بحكم إيجابي أو سلبي على الصورة. أريد من وراء هذه التوطئة بيان أن طريقة التصوير للقضايا الاسلامية او الشرعية المعاصرة قد تكون من زاويتين مختلفتين في جوهرهما مع تمايز بینهما في القشرة. وإدراك ذلك التمايز يوفر الكثير من الطاقة في عملية الأخذ والرد والمطارحة العلمية  التی تستنزف الکثیر من أوقاتنا الثمینة وربما اختزلت صفحات من صداقاتنا الحميمة.
 فما التصور الفقهي وما التصور السياسي؟ وكيف نميز ونمايز بينهما؟
إن التصور الفقهي -باختصار- هو الحكم المستنطق عبر الآليات الأصولية في استنباط الأحكام الشرعية، من نظر في الأدلة الكلية ودلالات الألفاظ، ومن استخراج الحكم الشرعي منها. وهذا بخلاف التصور السياسي (العقلي أو الشرعي) فإن مبناه النظر في المصالح المرسلة والظروف البيئية والآنية مع فقه المآلات .
وبعبارة أخرى -موجزة غير ملغزة- ، التعاطي في تفسير الواقع  يمكن أن يكون عبر التقييم السياسي لها ومن ثم بناء الحكم عليها وهو التصور الذي يختلف عن التحديد الفقهي المباشر في الحكم على هذا الواقع.. ولنضرب لذلك أمثلة على جهة التأصيل وأخرى حديثة على جهة التطبيق.
المثال الاول: يتضح في موقف السابقين إلى الإسلام في التفريق بين الروم والفرس باعتبار أن الروم ينتسبون إلى دين سماوي والفرس مجوس؛ مما جعل المسلمين يفرحون لنصر الروم رغم أن الحكم الشرعي في الدولتين هو الكفر.  فالفرح بانتصار الروم النصارى -وهو موقف سياسي - لا يتعارض مع مبدأ الولاء والبراء -وهو مبدأ فقهي شرعي-، فلا يستقيم لمن يتبنى القراءة الأخيرة أن يورد أو يعترض على من يتبنى الموقف الأول. لان الموقفين لا يتواردان من نفس المحل.
 المثال الثاني: اختيار الرسول عليه الصلاة والسلام الحبشة لتكون موضعا للهجرة الأولى قائلاً: " اذهبوا إلى الحبشة فإن فيها ملكا لا يُظلم عنده أحد ". رغم مساواته في الكفر مع غيره؛ لأن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم فيه كان قبل إسلامه.
 ومن الأمثلة المعاصرة قضية السعودية وإيران: ولعل من نافلة القول بيان أن وراء الخلاف السعودي الإيراني عناصر ثلاث: جانب سياسي كبير, وغطاء ديني شفاف, إضافة إلى نزعة قومية فضفاضة، تلكم العوامل الثلاثة التي تتجاذب قضية إيران والسعودية.
 فلو نظرنا إلى السعودية باعتبارها راعية السنة في العالم, وإيران باعتبارها راعية الحركة الشيعية وتمددها حول العالم، وبنينا جميع الخلافات بينهما على هذا الأساس الديني لربما فاتنا الكثير من الحقائق. ذلك أن هناك جانب سياسي تكمن في قومية فارسية تملك السلاح النووي مقابل قومية عربية ضعيفة لا تملك اي قوة وتوكل أمر حمايتها إلى شعوب أخرى نائية.
وعليه ففي الإطار الفقهي يحسن مواجهة مواقف علماء السنة بعلماء المرجع الشيعي وقراءتها قراءة فقهية وشرعية، وما عدا ذلك من المواقف وخاصة المناورات السياسية بين النظامين السعودي والإيراني فيجب تفسيرها تفسيرا سياسيا يتأرجح فيه الحق بين الطرفين وربما غاب فيها الحق عن كلا الطرفين. وعليه فلا يصح الحكم لصالح السعودية دائماً  مما يؤدي إلى تحمل أخطاء النظام السعودي على ثقلها,  كما لا يصح تخطئة النظام الإيراني دائما فيؤدي  إلى بخس في الحقوق واختلال الموازين.
وأخيرا, قضية موقف العلماء من الأحداث الجارية بين مجاراة السياسيين ومعاداتهتم أو السكوت المطبق
وهذا المثال الأخير بحاجة الى تفصيل وذلك بالنظر إلى العلاقة الجدلية الثنائية بين العالم والسلطة السياسية من جهة وبين العالم والقراءة الحرة للنصوص من جهة أخرى قد يجعله في موقف لا يحسد عليه. فهو في موقف ينتظر منه السلطة السياسية الإمضاء أو المجاراة , وفي أسوإ الحالات السكوت والإغضاء. بينما ينتظره الجمهور في امتحان للصدع بما يتصورونه هم أنه هو الحق, فحيث نطق العالم فيما ظاهره منصب لصالح الحكام فإن مطرقة الجمهور ترتفع لتضرب في موثوقية العالم معتبرا إياه مداهنا. وحيث كان العكس فإن سندان السلطان تُلَوح بالخيانة وعدم الولاء للوطن.
والواقع أن موقف العالم الساكت يمكن تفسيره من جهتين وكلاهما يبرؤه من تهمة التواطؤ.
التفسير الفقهي: وذلك بالنظر إلى أنه مطيع لولي الأمر الحاكم الذي يطلب عدم التصريح في السياسة الخارجية , فيذعن العالم مستنطقا  النص القرآني: "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"
أما التفسير السياسي: فهو أن يقال إنه سكت بناء على أمر من الحاكم وهو قرار سياسي. وهذا الكلام وإن كان ظاهره الصحة إلا إنه في الحقيقة غير سليم, فأمر الحاكم قرار سياسي باعث إلى امتثال الأمر الشرعي المهيمن على أحوال المكلفين جميعهم. وعليه يكون العبرة بمنطوق النص لا بمفهوم الواقع.
والخلاصة : أنه يجب توسيع مدارك النظر وآفاق الفكر في قراءة قضايا الواقع-تحليلا وتفسيرا- وعدم تحجيم الفكر في زاوية واحدة أو قالب معين إذا كان يحتمل أكثر من وجه. مع ضرورة التزام الإيجابية في القراءة وتجنب السلبية ما أمكن إلى ذلك سبيلا.


الثلاثاء، 15 أبريل 2014

حوار في المسميات "بين وسطي وسلفي"


ذات مساء التقى الرجلان بعد فراق طويل دام سنوات، كان أحدهما قد أشرق في طلب العلم والآخر شمأل في بلاد متاخم لوطنه.  
الوسطي: طال العهد بيننا يا صاح ، لقد اختلست الأيام والشهور عبق التواصل بيننا, فلم أسمع  عنك لا خبرا ولا أمرا.
السلفي: هو كذلك، مع أنني كنت أتابعك ساعة بساعة عبر المواقع الاجتماعية، دائما ما أقرأ خواطرك فلربما سررت بها وربما لا (يبتسم), وأحيانا يراودني قلبي على مراجعتك في بعض ما تنشر فأتجاهل، تجنبا للجدال والمراء ولعلني أحظى ببيت في ربض الجنة. 
الوسطي: يا إلهي، لم أشعر بوجودك معنا في تلك المنتديات فمن تكون؟
السلفي: أنا موجود باسم مستعار و....
الوسطي يقاطعه : أنت ذاك أبو عبد الله السلفي
السلفي: نعم أنا ذاك
الوسطي: هههه ولم هذا الاسم يا أخي؟
السلفي: يا أخي انما أتكنى اتباعا للسنة.
الوسطي: طيب  ومن أين لك السلفي؟
السلفي مستغربا: أو مثلك يسأل عن هذا ! السلفية هي الالتزام بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه علما وعملا، وهي تسمية شرعية أصيلة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة: "نعم السلف أنا لك" ونحن على منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين، ننابذ أهل الأهواء وننافحهم بالصحيح الثابت من السنة. فهي باختصار كلمة حق لا يستطيع أي مسلم أن يجادل فيه بعد أن تتبين له الحقيقة.
فهل بعد هذا تسألني عن السلفية وكأنك تنكر علي, أو لست سلفيا؟
الوسطي –مترددًا-: نعم.. بلى... بلى.. ربما أنا أيضا على ما أنت عليه وإن كنت أتحفظ على التسمية، فأنا على الوسطية الحنيفية وأفضل أن أكون وسطيا وهذا يكفي
السلفي: معاذ الله! أخبرني -وقاك الله داء الكلام- عن هذه الوسطية التي تتغنى بها؟
الوسطي: إنها المنهج الأصيل والطريق الأسلم، والوصف الجميل، والمفهوم الجامع لمعاني العدل والخير والاستقامة ،فهي حق بين باطلين واعتدال بين تطرفين وعدل بين ظلمين. وهي تحر متواصل للصواب في التوجهات والاختيارات. فهي -يا صاح- وسطية في العقيدة وسطية في الشرائع ووسطية في الشعائر, فالصحابة رضوان الله عنهم أوسط هذه الأمة ونحن على خطاهم سائرون
السلفي مقاطعا بعد أن نفذ صبره: كفى!.. دع عنك هذا الكلام وقل لي: هل لك سلف في هذه التسمية؟
الوسطي: بلى,  لدي سلف في ذلك وهو القرآن الكريم، اقرأ معي  أوسط آية من سورة البقرة, في قوله تعالى:" وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس"  فكلمة الوسطية شرعية أصيلة.
ثم انطلق الوسطي يشرح الآية بأسلوب بليغ ميال للإنشاء والفلسفة، الأمر الذي ألقى الملل في أذن صاحبه السلفي حيث ظل هذا الأخير يلقي السمع ولكنه غير شهيد.
وبينما هما كذلك في وسط ذلك الحي الغريب, إذ رُفِع أذان المغرب فتسارعا إلى المسجد لأداء الفريضة.
وفي ذاك المسجد يوجد الكثيرمن الشباب والقليل من الشيوخ, تقدم من بينهم شيخ طاعن في السن، ذو لحية خفيفة مخضبة, على عاتقه غترة بيضاء جذبها من إحدى زوايا المنبر.
قرأ الامام الفاتحة برواية ورش، ثم أتبعها بتلاوة منمقة لآخر آية من سورة الحج : (وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل .... )الآية. قرأها كما لو نزلت غضا من السماء وهكذا في كل الصلاة إلى أن انصرف عنها. وبينا الصاحبان في الباقيات الصالحات همس المؤذن في أذنيهما قائلا:
- أرجوا أن تؤخرا قليلا كي نفرش صفرة الشهدائيين
- صفرة ماذا؟ يسأل الوسطي
-  أقول صفرة الشهدائيين، أراكما من غرباء الحي, ولعلمكما إنا جماعة نسكن بحي يكثر فيه الأشاعرة والمتكلمين، فأنشأنا جماعة الشهدائيين اقتفاء بسنة المصطفى وأصحابه.
وقف الشابان مستغربان مِن هذا الرجل الذي يسترسل في الكلام ويفرش الصفرة ينثر فيها التمرة والمكعبات, غير آبه بهما وبتجاعيد وجهيهما التي تفاعلت مع كلمة : الشهدائيون!!!!!
- طيب ولماذا الشهدائيين؟ يسأل الوسطي
- وهل لكم سلف في هذه التسمية؟ يستفسر السلفي
- عجبا لكما أيها الغريبان, أجاب المؤذن, كنت أحسبكما عالمين لما رأيت من سَمْتِكما لكنما تسألان أسئلة الجهلاء. أو ما سمعتما الإمام آنفا يقرأ: )وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس" أو لم تقرءا في أوسط آية من سورة البقرة : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس" أتباع النبي صلى الله عليه وسلم هم شهداء الله على خلقه ، نحن الشهدائيون.... إنها تسمية شرعية أصيلة.....

يخرج الصاحبان دونما كلمة, ويتواعدان اللقاء ومواصلة النقاش عبر الموقع الاجتماعي.....

الثلاثاء، 14 مايو 2013

الاتحاد الإفريقي والتجمعات الإقليمية – إتحاد مالي نموذجا

كنت ولا أزال مقتنعا بأن حلم الاتحاد الإفريقي لا يمكن أن يتحقق إلا بواسطة تجمعات إقليمية قوية في شرق القارة وغربها ووسطها وشمالها وجنوبها, بحيث تجسد المصالح الاقتصادية والسياسية والثقافية المشتركة.
وهذه المؤسسات استطاعت أن تخيم في سماء إفريقيا منذ أن هبت ريح الاستقلال, بفضل تفاني بعض زعماء الأفارقة. لكننا إذا تأملنا واقع الاتحاد الإفريقي وقارناها بتلك التجارب الإقليمية منذ فجر الاستقلال سنجدها تعكس ومضات من التركيب الجيوسياسي المتناقض. وسنحاول في هذه الإطلالة تقديم انموذج "الاتحاد الفيدرالي مالي" (La fédération du Mal)كمنظومة سياسية إقليمية باءت بالفشل رغم النوايا الحسنة ورغم الشخصيات المرموقة التي تبنت المشروع.

فيدرالية مالي من البداية إلى النهاية
يذكر أن الأب الروحي لفكرة اتحاد دول إفريقيا الغربية الفرنسية  (AOF) هو الرئيس المالي الراحل موديبو كيتا, الذي استطاع أن يقنع القادة السياسيين المحليين بأهمية الاتحاد, فظهر في الساحة الإفريقية الفرنسية من يسمون بالفيدراليين,  وتمخض عن تلك الجهود انعقاد مؤتمر الفيدراليين (La conference des fédéralistes) عام 1958م في باماكو وتم التوقيع على الاتفاقية.
الدول الأعضاء
كانت المبادرة في البداية تضم بعض الدول الفرنكوفونية في غرب إفريقيا, وهي السودان الفرنسي (جمهورية مالي) والسنغال وفولتا العليا(بوركينا فاسو) وداهومي (بنين) أما ساحل العاج  برئاسة هوفيت بوانيه(Houphouet-Boigny) صاحب الوزن السياسي والاقتصادي الرهيب في المنطقة  فلم توافق على المشروع منذ البداية وأما غينيا فكان خارج السياق بسبب موقفها الثوري من الوطن الأم فرنسا. لكن الدول الأربعة تمادت وأعلنت الاتحاد الفيدرالي صبيحة 17 يناير 1959م. لتبدأ معها العد التنازلي للنهاية.
الانفصام
وتحت وطأة الضغوط الاقتصادية والسياسية من قبل ساحل العاج لم يلبث داهومي (بنين) وفولتا العليا (بوركينا فاسو) أن انفصلا وأصبحت فيدرالية مالي محصورة بين السودان الفرنسي والسنغال. وأول مشكلة أثيرت كانت حول من يترأس الفيدرالية, فالسودانيون لم يكونوا ليقبلوا رئيسا مسيحيا, وأغلب السنغاليين –آنذاك- لم يكونوا يرضون إلا بزعيمهم المسيحي سنغور, فكان الحل أن يترأس موديبو كيتا الحكومة الفيدرالية, ويترأس سنغور مجلس الشعب الفيدرالي.  وليته كان حلا, لكن هيهات.
 الأزمة
بالرغم من الجهود المبذولة في سبيل تفعيل التجربة الفيدرالية كانت كل المؤشرات تنذر بتأزم مبكر, فالقيادي السوداني موديبو وطني حتى النخاع, بينما القيادي السنغالي فرنسي بما فيه الكفاية, فأي قرار يصدر من أحد الطرفين يكون عادة محل انتقاد واعتراض من الطرف الآخر. والسبب المباشر لوأد الدولة البكر تتمثل في تعيين موديبو كيتا للكولونيل سماري (Colonel Soumaré) رئيسا لأركان الجيش في حين أن الطرف السنغالي يقترح الكولونيل فال (Colonel Fall), ما جعل الأخير يرفض المصادقة على القرار, نتجت عن ذلك عزل رأس الحربة وزير الدفاع السنغالي ممدو جاه. فاتهم الطرف السنغالي نظيره بمحاولة الانقلاب, ومن ثم أعلن الانفصال عن الفيدرالية في 20 أغسطس 1960م. وعقب تلك الأحداث تدخلت القوات الفرنسية وألقت القبض على القيادات السودانية  قبل إطلاق سراحهم وإرسالهم إلى باماكو ثم تعطيل السكة الحديدية دكار-باماكو
أسباب الأزمة
وحسب الرأي السنغالي فإن ثم عدة أسباب داخلية أدت إلى الانفصام منها:
أولا: اختلاف الطرفين في الاتجاهات الفكرية  والمدارس السياسية, بين الماركسية العلمية لموديبو كيتا والاشتراكية الديموقراطية لسنغور وممدو جاه.
ثانيا:استحواذ السودانيين على المؤسسات السنغالية .
وبالنسبة للجانب السوداني فالقراءة مختلفة تماما, حيث رأوا أن الأسباب خارجية أكثر مما هي داخلية
أولا: أخفقت الفيدرالية لأنها اتخذت مسارا مخالفا للسياسة الفرنسية الديغولية التي كانت تسعى نحو بلقنة (balcanisation) أفريقيا الفرنسية.
ثانيا: اتخاذ قرارات جريئة ومواقف سياسية مناهضة لفرنسا, من بينها تأييد حركة التحرير في الجزائر, والسعي لضرب نقد محلي.
وبغض النظر عن ما يذكره أولاء أو أولائك فإن القراءة السريعة للأحداث يجعلني أؤكد الأسباب التالية:
1-           الأنانية الفردية والأنانية الجماعية, رأينا أن أول مشكلة هي: من يترأس؟ وكيف أن المعركة بين الزعيمين موديبو كيتا وسنغور تحولت إلى جحيم سياسي بين الحزبين, ثم توتر علاقة بين الدولتين الشقيقتين.
2-           الأيادي الخفية لفرنسا,فالجهاز الفرنسي الإفريقي كان يرى من  الفيدرالية خطرا محدقا على مصالحه الاقتصادية والسياسية وهذا ما يفسر تدخلها السافر لخرق القتاد وتوسيع الرقعة على راقعها. بل لقد كان الاتحاد الفيدرالي محل سخرية عند الرئيس الفرنسي الذي كان كثيرا ما يردد:
(
La république du Soudan, je connais ; la république du Sénégal, je connais, la Fédération du Mali, je ne connais pas)
3-           ضبابية الرؤية وعدم وضوح السياسة المرسومة,فالحقيقة أن الطرفين مختلفين في تصورهما للاتحاد الفيدرالي, ففريق يرى دولة واحدة متلاحمة, وآخر دولتين متحدتين مع احتفاظ كل واحدة بسيادتها الوطنية. ولذا فبدلا من أن تكون دولة فيدرالية كانت  اتحادا فيدراليا تتجاذبه أنياب الحكومة و مخالب المجلس الشعبي في ظل غياب منظومة سياسية محكمة البنيان
دروس والعبر
بعد كل ما ذكرنا يحق لنا أن نتساءل هل يتصور أن يعيد التاريخ نفسه؟ وهل لهذا الأزمات الإقليمية أبعاد على وحدة أفريقيا؟
دون المجازفة في تحليلات سياسية لا أتقنها يجوز لي بكل اطمئنان إثبات الحقائق التالية:
أولا: إن قوة الاتحاد الإفريقي مرهونة بمتانة المؤسسات الإقليمية, فالدول المتاخمة في الحدود, المشتركة في الثروات المائية والمعدنية إذا لم تتعاون في حل مشاكلها السياسية والاقتصادية ولم توطد للاتحاد, فلن يملك مؤتمرات أديس أبابا حلا سحريا للوحدة الإفريقية.
ثانيا: ما لم تستقل الدول الإفريقية اقتصاديا, فإنها ستظل عاجزة عن تقرير مصيرها في ظل النظام العالمي الجديد, لأن من لا يملك قوت يومه أحرى أن يفقد  كلمته وكرامته.
ثالثا: في رأيي أن اختلاف الاتجاهات الفكرية والسياسية –وإن تمكنت من ذلك- لا ينبغي أن يشكل حجر عثرة أمام الوحدة الإفريقية, فالتحديات الكبيرة والمصالح الاقتصادية والثقافية المشتركة والحاجة إلى الاتحاد كل ذلك لا يسمح بالتفرج وتبادل التهم والانطواء خلف نظريات ايدولوجية لا تقدم ولا تؤخر إن لم يصحبها ترجمة عملية. فالمتحدون لم يتفقوا في كل شيء كما أن المختلفون لم يتناحروا في كل شيء. فإلى متى الوعي ؟